آخر تحديث: 27 / 2 / 2026م - 12:44 ص

الشيخ حسن الصفار… حين يكون التشجيع رسالة حياة

رضي منصور العسيف *

منذ أكثر من ثلاثين عامًا، كانت علاقتي بسماحة الشيخ حسن الصفار علاقة تلميذٍ بصوتٍ أيقظه للحياة.

كنا نصغي لمحاضراته بشغف، نحمل كلماتِه معنا إلى بيوتنا، نعيد سماعها إن غبنا عن مجلسٍ حسيني أو خطبة جمعة أو ندوة ثقافية. لم تكن كلمات عابرة… كانت ثقافة حياة، تصنع الوعي، وتغرس في الروح جذور التفكير.

كنت أبحث عن كتبه كما يبحث العطشان عن الماء.

أفرح إذا عثرتُ على كتابٍ له في إحدى المكتبات، أقتنيه بلهفة، وأقرأه من الصفحة الأولى حتى الأخيرة دون أن أترك سطرًا.

كانت كتبه منبعًا تشرّبت منه ثقافتي، ومشعلًا أضاء لي درب الكتابة.

لكن الأثر الأكبر لم يكن في الكلمة المسموعة أو المقروءة فقط…

بل في التشجيع الصادق الذي يصنع الكُتّاب.

التغذية في رمضان… درسٌ لا يُنسى

في 20 شعبان عام 1417 هـ، كتبت كتيبًا عن التغذية في رمضان. حملت نسخة منه إلى سماحته في مسجد الفتح بالكويكب، وقدّمتها إليه بقلبٍ يخفق.

استلمه بفرحٍ ظاهر، وتأمله، ثم نظر إليّ قائلًا:

«لماذا لا تنشره بصورة رسمية في إحدى المجلات؟ هناك ينتشر بشكل أوسع.»

كانت نصيحةً ذهبية… لكنني لم ألتقطها في حينها.

نشرته لاحقًا في أحد المنتديات الثقافية، وبعد مدة فوجئت به منشورًا في صحيفة دون ذكر اسمي.

حينها أدركت قيمة نصيحته، وقلت في نفسي:

ليتني التقطت الحكمة حين جاءتني.

كان ذلك درسًا في أهمية الاحتراف، ودرسًا في أن كلمات العلماء ليست مجاملات، بل خبرة وتجربة.

حديث أهل البيت… كلمة تشعل الهمة

في صيف عام 1418 هـ، أعددت كتابًا بعنوان حديث أهل البيت ليكون منهجًا لليافعين.

كنت أذكر الحديث، وأعرّف بصاحبه من المعصومين، وأشرح المفردة شرحًا موجزًا.

قدمت نسخة لسماحته…وبعد أيام وصلتني رسالة تحمل ثناءً وتشجيعًا لمواصلة العمل.

كانت كلمات قليلة… لكنها صنعت أثرًا كبيرًا.

فرحت بها فرح المبتدئ الذي وجد من يقول له: امضِ… أنت على الطريق الصحيح.

فطبعت نسخًا ووزعتها على الشباب، وأنا أحمل في قلبي تلك الرسالة وقودًا للاستمرار.

سفن النجاة… فرحة الكاتب

في عام 1424 هـ صدر كتابي سفن النجاة - دروس وتأملات في حياة أهل البيت

وفي لقاءٍ عابر، قال لي سماحته: «قرأت كتابك… كتاب جميل.»

كلمة بسيطة… لكنها في قلب الكاتب تعني الكثير.

شعرتُ يومها أن جهدي لم يذهب سدى، وأن القراءة الواعية التي تلقيتها يومًا أصبحت الآن عطاءً يُقرأ.

عناصر الأبرار… ثقة تُمنح

في عام 1440 هـ جمعت مقالاتي عن أهل البيت في كتاب عناصر الأبرار... دروس إيجابية من سيرة أهل البيت .

طلبت من سماحته أن يتفضل بكتابة التقديم.

قدمت له المسودة، وبعد أيام وصلتني كلماته… تقديمًا أنيقًا، وعبارات تشجيع، وثقة تُمنح قبل أن تُطلب.

كان ذلك التقديم شهادةً معنوية أعتز بها، ودافعًا جديدًا لمواصلة المسير.

أنا أتابع مقالاتك…

في كل لقاء، كان يقول لي: «أنا أتابع مقالاتك.»

كنت أبتسم وأسأله: وهل تجدها مفيدة؟

فيجيب: «نستفيد منها.»

بهذه الكلمات القليلة، يشحنك سماحة الشيخ بطاقةٍ لا تنفد.

وكأنه يقول لك بصمت: اكتب… وبثّ علمك. فزكاة العلم نشره.

كلمة من القلب

شكرًا سماحة الشيخ حسن الصفار…

شكرًا لأنك لم تكن مستمعًا فحسب، بل مشجعًا.

لم تكن قارئًا فقط، بل باعثًا للأمل.

لم تكن ناقدًا عابرًا، بل مربّيًا يصنع الثقة في نفوس الشباب.

لقد علّمتنا أن الكلمة أمانة، وأن الثقافة مسؤولية، وأن دعم المبدعين عبادة.

كنتَ - وما زلت - مناراتٍ للوعي، وصوتًا للعقل، وقلبًا يحتضن الحراك الثقافي ويباركه.

فلك منّا الدعاء، ولك من قلبي الامتنان.

دمتَ سندًا للكلمة، ودمتَ باعثًا للأقلام، ودمتَ مشجعًا يصنع الأثر.


كاتب وأخصائي تغذية- القطيف