دعاء التوحيد المطلق في شهر رمضان… حضورٌ دائم بين الذكر والتأمل
روى المفيد في «المقنعة» عن الثقة الجليل علي بن مهزيار، عن الإمام محمّد التقي
: أنّه يستحب أن تكثر في شهر رمضان في ليله ونهاره من أوله إلى آخره: يا ذا الَّذي كانَ قَبلَ كُلِّ شَيءٍ ثمّ خَلَقَ كُلِّ شَيءٍ ثمّ يَبقى وَيَفنى كُلُّ شَيءٍ، يا ذا الَّذي لَيسَ كَمِثلِه شَيءٌ، وَيا ذا الَّذي لَيسَ في السَّماواتِ العُلى وَلا في الأرضينَ السُّفلى وَلا فَوقَهُنَّ وَلا تَحتَهُنَّ وَلا بَينَهُنَّ إلهٌ يُعبَدُ غَيرُهُ، لَكَ الحَمدُ حَمداً لا يَقوى عَلى إحصائِهِ إلاّ أنتَ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ صَلاةً لا يَقوى عَلى إحصائِها إلاّ أنتَ. [1]
يتميّز شهر رمضان بكثرة الأدعية التي تجمع بين عمق المعنى وسهولة الترديد، فتغدو جزءًا من نَفَس المؤمن اليومي في ليله ونهاره. ومن بين هذه الأدعية ما رُوي عن الإمام محمد الجواد
كما نقل الشيخ المفيد في المقنعة عن الثقة الجليل علي بن مهزيار من استحباب الإكثار من هذا الذكر المبارك طوال الشهر:
«يا ذا الذي كان قبل كل شيء ثم خلق كل شيء ثم يبقى ويفنى كل شيء…»، وهو دعاء يكشف في عباراته القليلة أفقًا توحيديًا واسعًا، ويحوّل الذكر إلى تأمل وجودي عميق.
وقد اكتسب هذا الدعاء حضورًا مميزًا في التراث العبادي، إذ ورد ضمن أعمال ليلة القدر الأولى لما يحمله من مضامين توحيدية عميقة تنسجم مع طبيعة هذه الليلة التي يتجدد فيها تقدير الأمور، ويتعاظم فيها شعور الإنسان بمصيره الأخروي وحاجته إلى تصفية صفحته قبل كتابة المقادير. فالدعاء في هذا السياق لا يكون مجرد طلب للمغفرة، بل موقفًا وجوديًا يستشعر فيه العبد ثقل المسؤولية ورجاء الرحمة معًا.
كما أورده آية الله العظمى السيد عبد الأعلى السبزواري ضمن أدعية الوتر في كتابه مهذّب الأحكام، وهو اختيار يكشف عن عمق ملاءمة الدعاء لأجواء الخلوة الليلية ومناجاة الأسحار، حيث يبلغ القلب ذروة صفائه، وتشتد رغبة الإنسان في مراجعة نفسه واستدراك ما فاته قبل انقضاء الليل.
وقد ذكره كذلك العلامة السيد عباس الكاشاني ضمن أدعية تعقيبات صلوات شهر رمضان في كتابيه منهاج الجنان في أعمال شهر رمضان ومصابيح الجنان، الأمر الذي يدل على سعة مجاله التعبدي وعدم انحصاره في وقت محدد، إذ يمكن أن يتحول إلى رفيقٍ يومي يذكّر المؤمن بضرورة دوام المحاسبة، ويجعل لحظة ما بعد الصلاة امتدادًا لحالة اليقظة التي يرسخها الدعاء في القلب.
إن أول ما يلفت النظر في هذا الدعاء افتتاحه بهذا الترتيب الوجودي العميق: «كان قبل كل شيء… ثم خلق كل شيء… ثم يبقى ويفنى كل شيء»؛ فهو ليس مجرد وصفٍ زمني، بل بناءٌ لرؤية كونية متكاملة تعيد ترتيب علاقة الإنسان بالحياة والوجود والمصير.
فقوله «كان قبل كل شيء» يرسّخ معنى الأزلية الإلهية، ويضع الإنسان أمام حقيقة أن كل ما يراه حادثٌ طارئ، مهما بدا ثابتًا أو ممتدًا. وهذا الإدراك يحرّر القلب من وهم الاعتماد المطلق على الأسباب، لأن الأصل الذي يستند إليه كل شيء هو وجود الله السابق على كل وجود. وحين يستقر هذا المعنى في النفس، يتراجع القلق المرتبط بالمستقبل، لأن من كان قبل كل شيء هو الأقدر على تدبير ما بعد كل شيء.
ثم يأتي قوله «ثم خلق كل شيء» ليذكّر بأن العالم ليس مستقلاً بذاته، بل قائمٌ بالفيض الإلهي المتجدد. فالخلق هنا ليس لحظةً ماضية فقط، بل حالة استمرار؛ كل لحظة هي امتداد لفعل الخلق، وكل نعمة هي تجلٍّ لهذا الإيجاد المستمر. وهذا يبدّل نظرة الإنسان إلى الحياة؛ فلا يرى الموجودات ملكًا ذاتيًا، بل أمانات عابرة، ولا يرى الأحداث عشوائية، بل واقعة ضمن نظام حكيم صادر عن خالق عليم.
أما قوله «ثم يبقى ويفنى كل شيء» فينقل القلب إلى أفق النهاية، لكن نهايةً لا تحمل معنى العدم بقدر ما تحمل معنى العودة. الفناء هنا ليس خسارة مطلقة، بل كشفٌ عن حقيقة أن البقاء الحقيقي ليس في الأشياء، بل في من أوجدها. ولذلك يتحول تذكّر الفناء من مصدر خوف إلى مصدر تحرر؛ تحرر من التعلق المفرط، ومن القلق على ما يزول، ومن الحزن الذي يتجاوز حدوده الطبيعية.
هذا التسلسل الثلاثي يصنع في داخل الإنسان توازنًا دقيقًا: يعيش الحياة دون أن يغرق فيها، يحب النعم دون أن يستعبد لها، ويعمل للأسباب مع إدراكه أنها ليست النهاية. إنه يعلّمه أن القيمة الحقيقية لا تكمن في دوام ما نملك، بل في اتصالنا بمن لا يزول.
ومن هنا تتولّد الطمأنينة العميقة؛ فحين يدرك الإنسان أن كل ما يفنى يعود إلى الباقي، تتبدل نظرته إلى الفقد والخسارة والتغير. يرى الأحداث مراحل انتقال لا انقطاعات نهائية، ويرى الموت بوابة لا نهاية، ويرى الزمن حركةً داخل حضرةٍ ثابتة لا تتغير.
وهكذا يتحول هذا المقطع من الدعاء إلى تأمل وجودي يربّي القلب على الزهد الواعي لا الزهد المنفصل عن الحياة، وعلى الأمل الهادئ لا التعلق القلق، وعلى السكينة التي تنبع من الإيمان بأن ما يفنى حولنا إنما يذكّرنا بالبقاء الذي لا يفنى، وبالحضور الإلهي الذي يبدأ منه كل شيء ويعود إليه كل شيء.
ثم ينتقل الدعاء إلى مقامٍ أعلى من المعرفة حين يقول: «يا ذا الذي ليس كمثله شيء»؛ وهي عبارة تختصر جوهر التوحيد التنزيهي، وتحرّر العقل والقلب من أسر التشبيه والقياس. فالإنسان بطبيعته يحاول فهم الأشياء عبر مقارنتها بما يعرفه، لكن هذه العبارة تقطع طريق القياس، وتعلن أن الله ليس موضوعًا ضمن عالم المخلوقات حتى يُقاس عليها، بل هو الحقيقة التي يستمد منها كل موجود وجوده دون أن يشبهها.
هذا النفي ليس نفيًا للمعرفة، بل نفيٌ للحدود التي تقيّد المعرفة. فهو يعلّم العبد أن أقرب الطرق إلى إدراك عظمة الله هو الاعتراف بأن ذاته لا تُدرك على نحوٍ إحاطي، وأن كل ما يتصوره العقل من صور يبقى أدنى من الحقيقة الإلهية. وحين يصل القلب إلى هذا المعنى، تتحول المعرفة من محاولة تصور إلى حالة تعظيم، ومن فضولٍ عقلي إلى خشوعٍ وجودي.
إن عبارة «ليس كمثله شيء» توسّع أفق العلاقة مع الله؛ لأن العبد حين يعلم أن ربه منزّه عن كل نقص وحدّ، يطمئن إلى أن رحمته ليست كرحمة البشر المحدودة، وأن عفوه لا يشبه عفو المخلوقين المشروط، وأن حكمته لا يعتريها قصور الفهم البشري. وبذلك يصبح التنزيه مصدرًا للرجاء بقدر ما هو مصدر للهيبة؛ فهو يفتح باب الثقة المطلقة في عدل الله ولطفه وتدبيره.
وفي شهر رمضان يتضاعف حضور هذا المعنى؛ إذ يهدأ ضجيج الحياة، وتخف وطأة الانشغالات، فيجد القلب مساحة أوسع للتأمل في صفاء التوحيد. الصائم حين يبتعد عن شهواته الظاهرة يتدرّب ضمنيًا على الابتعاد عن التصورات المحدودة، فيصبح أكثر قابلية لتذوق التنزيه بوصفه حالة شعورية لا مجرد فكرة عقدية.
ومن آثار هذا التنزيه أنه يربّي في النفس التواضع المعرفي؛ فكلما أدرك الإنسان أن الله أعظم من أن يُحاط به، أدرك في المقابل محدودية نفسه وعلمه، فيتلاشى الكِبر الخفي الذي قد يتسلل عبر الشعور بالفهم أو العبادة أو الإنجاز. وهنا تتحول العبادة من أداءٍ يبعث على الرضا عن النفس إلى وقوفٍ متجدد على باب العظمة الإلهية.
كما أن هذا المعنى يفتح باب الأنس؛ فالله المنزّه عن الحدود ليس بعيدًا، بل أقرب من كل تصور محدود. البعد الحقيقي ليس بُعد مكان، بل بُعد غفلة، وكلما تنزّه القلب عن الصور الضيقة اقترب من حضور الله الواسع. لذلك يجتمع في هذا المقطع شعوران يبدوان متقابلين: الهيبة التي تولد من التعظيم، والأنس الذي يولد من القرب.
وهكذا يصبح التنزيه في هذا الدعاء رحلةً من التصور إلى التسليم، ومن محاولة الإحاطة إلى التذوق، ومن الفكر المجرد إلى الخشوع الحي. ومع تكرار هذا الذكر في ليالي رمضان، ينمو في القلب يقينٌ هادئ بأن العلاقة مع الله ليست مبنية على فهمه كما تُفهم الأشياء، بل على معرفته بالقلب الذي يعظّمه، ويسلّم له، ويأنس بحضوره الذي لا يشبه حضورًا، ولا يغيب كغيابٍ آخر.
ويزداد عمق الدعاء حين يؤكد وحدانية العبادة بقوله:
«ليس في السماوات العلى ولا في الأرضين السفلى… إله يُعبد غيره».
إنها صياغة تملأ أفق الإنسان بعقيدة التوحيد؛ فلا يبقى مكان للالتباس أو التردد في جهة التوجه والاعتماد. وهذا المعنى يحمل بُعدًا تربويًا مهمًا، إذ يحرر الإنسان من الخضوع الداخلي لغير الله، سواء كان ذلك خضوعًا للمخاوف أو الشهوات أو الضغوط الاجتماعية، ويعيد توجيه القلب إلى مركز واحد يمنحه الاستقرار.
أما قوله: «لك الحمد حمداً لا يقوى على إحصائه إلا أنت» فهو انتقال بالعبد من حمدٍ محدود إلى إدراكٍ لعجزه أمام فيض النعم الإلهية. فالحمد هنا لا يُطلب بوصفه كلمات تُقال، بل بوصفه حالة وعيٍ يعيشها القلب حين يدرك أن ما أُعطيه يفوق ما يراه وما يتذكره وما يستطيع التعبير عنه.
الإنسان بطبيعته يميل إلى عدّ النعم الظاهرة: صحة، رزق، أهل، نجاح، طمأنينة، لكن الدعاء يلفت إلى أن أعظم النعم هي تلك التي لا تُرى؛ نعم الحفظ من البلاء، ونعم الهداية، ونعم الستر، ونعم التوفيق لأعمال الخير، بل حتى القدرة على التنفس والشعور والأمل. هذه النعم المتراكمة، المتجددة في كل لحظة، تجعل محاولة إحصاء الحمد أمرًا مستحيلًا، لأن النعمة نفسها تتجدد قبل أن ينتهي العبد من شكرها.
وفي هذا الاعتراف بالعجز يتحقق نوعٌ رفيع من المعرفة؛ إذ يدرك العبد أن قصور الحمد ليس تقصيرًا أخلاقيًا فحسب، بل هو سِمة بشرية طبيعية أمام الكمال الإلهي. وحين يصل الإنسان إلى هذه القناعة، ينتقل من حمد اللسان إلى حمد الوجود، فيصبح شكره حضورًا في السلوك، وامتنانًا في النظر، ورضًا في التعامل مع الحياة.
كما أن العبارة تربي الإنسان على التواضع الروحي؛ فمهما اجتهد في الطاعة أو العبادة، يظل يشعر أن شكره لا يوازي النعمة، وأن توفيقه للشكر نعمة أخرى تستحق شكرًا جديدًا. وهنا يدخل العبد في دائرة جميلة من الامتنان المتجدد، حيث لا يرى نفسه صاحب فضل، بل متلقيًا دائمًا لفيضٍ لا ينقطع.
ومن جهة أخرى، يفتح هذا المعنى باب الطمأنينة؛ لأن من يدرك كثرة النعم التي لا يستطيع إحصاءها، يوقن أن ما غاب عنه من الخير أكثر مما أدركه، وأن رحمة الله تحيط به في مواضع لا ينتبه لها. فيتحول الحمد من واجب ثقيل إلى شعور بالسكينة، ومن محاولة للوفاء إلى انكسارٍ محبٍّ يقوده إلى مزيد من القرب.
وهكذا يصبح قول «لك الحمد حمداً لا يقوى على إحصائه إلا أنت» مدرسةً في الامتنان العميق؛ يعلّم العبد أن الشكر ليس بلوغ الكمال في الحمد، بل الصدق في الاعتراف بالعجز عنه، وأن أعظم الحمد هو أن يرى الإنسان نفسه غارقًا في النعم، عاجزًا عن عدّها، مطمئنًا إلى أن الله يعلم من قلبه ما تعجز عنه كلماته.
ويختم الدعاء بالصلاة على محمد وآل محمد بصيغة تعكس عظمة المقام: «صلاةً لا يقوى على إحصائها إلا أنت».
الدعاء كمدرسة توحيدية مختصرة ترافق المؤمن في ليله ونهاره:
وهذا الختام يجمع بين التوحيد والولاية، ويؤكد أن القرب من الله يكتمل بالاقتداء بأهل البيت
الذين يمثلون طريق الهداية ومظهر الرحمة الإلهية في حياة الإنسان.
إن سرّ هذا الدعاء يكمن في بساطته التي تحمل عمقًا فلسفيًا وروحيًا في آنٍ واحد؛ فهو دعاء يذكّر بالأصل والمصير، ويؤسس للتنزيه، ويغرس وحدانية العبادة، ويعيد تعريف الحمد، ويختم بالصلاة التي تربط العبد بسلسلة الهداية. لذلك كان الإكثار منه في رمضان وسيلةً لإبقاء القلب في حالة حضورٍ دائم، حيث يتحول الذكر إلى بوصلة توجه الفكر، وإلى طمأنينة ترافق المؤمن في نهاره وليله.
وهكذا يصبح هذا الدعاء أكثر من كلمات تُتلى؛ إنه مدرسة توحيدية مختصرة، تربي القلب على معرفة الله، وتخفف ثقل الدنيا، وتفتح للإنسان باب الأنس بالباقي الذي لا يزول، ليعيش شهر رمضان وهو أكثر وعيًا بحقيقة الوجود، وأكثر تعلقًا بمن بيده بدايته ونهايته.

















