آخر تحديث: 21 / 2 / 2026م - 11:26 م

النوافل في شهر رمضان… طريق القرب وبراءة القلب

ورد في خطبة النبي ﷺ في استقبال شهر رمضان قوله: «ومن تطوّع فيه بصلاة كتب له براءة من النار»، وهي عبارة تحمل معنى عظيمًا يفتح أمام المؤمن باب الرجاء، ويكشف أن رمضان ليس شهر الفرائض فحسب، بل موسم النوافل التي ترفع العمل وتكمّل النقص وتقرّب العبد من ربه.

إن النوافل في حقيقتها ليست عبادة إضافية فحسب، بل هي لغة حبّ خفيّة بين العبد وربه؛ إذ يقف الإنسان في الفريضة بدافع التكليف، بينما يقف في النافلة بدافع الشوق. الفرض يرسم حدود العبودية التي لا يُستغنى عنها، أما النافلة فتفتح آفاق القرب التي يتنفس فيها القلب بحرية، ويعبّر فيها عن رغبته في البقاء أطول بين يدي الله.

وفي النوافل يتجلى بُعد الصدق؛ فهي لا تُطلب لإسقاط واجب، ولا يحكمها شعور الأداء، بل تحكمها رغبة اللقاء. لذلك كان العبد في النافلة أقرب إلى ذاته، وأكثر قدرة على البوح، وأشد حضورًا في مناجاته. إنها اللحظات التي لا يُثقلها الشعور بالواجب بقدر ما يحرّكها الحنين.

ومن هنا كان التطوع بالصلاة في رمضان يحمل أثرًا مضاعفًا؛ فالقلب في هذا الشهر يخفّ من شواغله، وتضعف قبضة العادات، وتلين النفس بالصيام، فيصبح الدخول إلى الصلاة أسهل، والبقاء فيها أعمق. الصائم يعيش حالة انكسار لطيف، وهذا الانكسار يفتح أبواب القرب التي قد تظل مغلقة في غير رمضان.

كما أن الجو الروحي العام يصنع بيئة مساعدة على الإقبال؛ أصوات القرآن، وسكون الليل، وشعور المشاركة الروحية بين المؤمنين، كلها عوامل تهيئ القلب ليكون أكثر استعدادًا للتأثر. فيغدو الوقوف في النافلة استراحةً من تعب الحياة، لا عبئًا إضافيًا عليها.

والنوافل في رمضان ليست مجرد زيادة عدد الركعات، بل زيادة في المعنى؛ أن تمتد الصلاة من حركة الجسد إلى طمأنينة الفكر، ومن تلاوة اللسان إلى حضور القلب، ومن طلب الثواب إلى طلب القرب ذاته. إنها مساحات يدرّب فيها المؤمن نفسه على أن يحب الطاعة، لا أن يؤديها فقط.

وحين يعتاد القلب هذه اللغة، تتحول النافلة إلى جسرٍ يحفظ حرارة الإيمان حتى بعد انقضاء الشهر، فيخرج الإنسان من رمضان وهو لا يحمل ذكريات العبادة فحسب، بل يحمل شوقًا متجددًا للعودة إلى تلك اللحظات التي كان فيها أقرب ما يكون إلى ربه.

وقد بيّنت النصوص أن النوافل تجبر خلل الفرائض، فكم من صلاة فريضة دخلها الغفلة أو النقص، فتأتي النافلة لتسد هذا الخلل وتعيد للعمل توازنه. لذلك فإن المحافظة على الرواتب التي قبل الفرائض أو التي بعدها، والتسبيحات بعد الصلوات، ليست أعمالًا هامشية، بل هي سياج يحفظ الفريضة ويمنحها روحها.

وفي شهر رمضان تتأكد صلة النوافل بالفرائض بشكل أوضح؛ فالصائم يعيش حالة من الرقة والانكسار تجعله أكثر قابلية للوقوف بين يدي الله، فتتحول الصلاة النافلة إلى محطة استراحة للقلب، لا إلى عبء إضافي على الجسد. إن دقائق قليلة من الوقوف الخاشع قد تغيّر مزاج اليوم كله، وتعيد ترتيب الداخل بعد صخب الحياة.

أما صلاة الليل فهي تاج النوافل وروحها العميقة. الليل بطبيعته زمن السكون، وفي السكون يسمع الإنسان صوته الداخلي بوضوح أكبر. حين يقوم المؤمن في جوف الليل، بعيدًا عن أعين الناس وضجيج النهار، يشعر أن العلاقة مع الله أكثر صدقًا وخصوصية. لذلك كانت صلاة الليل مدرسة الإخلاص، وميدان التربية الروحية، ومصدر قوة خفية ينعكس أثرها على النهار كله.

وفي رمضان تكتسب صلاة الليل بعدًا عاليًا حين يخلو العبد بربه؛ هذه الخلوة تصنع حالة صفاء عميقة، حيث يهدأ الضجيج من حوله ويقترب القلب من صدقه الداخلي، فتغدو المناجاة أكثر حضورًا، والدمعة أصدق، والوقوف بين يدي الله أعمق أثرًا في النفس

الاهتمام بالنوافل لا يعني كثرة العدد بقدر ما يعني حضور القلب. ركعتان بخشوع قد تكونان أعمق أثرًا من طول بلا انتباه. لذلك كان السر في الاستمرارية، ولو بالقليل، لأن القليل المتصل يصنع أثرًا متراكمًا في النفس، ويحوّل العبادة من موسم عابر إلى عادة قلبية دائمة.

ويُضاف إلى ذلك ما ورد من صلواتٍ ونوافل أخرى تُضفي على ليالي الشهر مزيدًا من العمق الروحي، كصلاة الألف ركعة، والصلوات الخاصة التي يُؤتى بها في كل ليلة، وأعمال الليلة الأولى من الشهر، وصلوات ليالي القدر بما تحمله من نفحات استثنائية، وكذلك أعمال ليلة النصف من رمضان والليلة الأخيرة منه، حيث تتكثف معاني الوداع والرجاء، فيعيش المؤمن مع هذه الأعمال حالة اتصال متدرّج تتنامى فيها الروح من بداية الشهر حتى ختامه.

ومن معاني «البراءة من النار» أن القلب الذي اعتاد الوقوف بين يدي الله لا يطيق البعد عنه، وأن من ذاق حلاوة المناجاة يجد في الطاعة ملجأً من ضعفه وملاذًا من تقلباته. فالنوافل لا تحمي الإنسان من العقوبة فحسب، بل تعيد تشكيل داخله ليصبح أقرب إلى الطمأنينة والسكينة.

إن شهر رمضان فرصة لإعادة بناء علاقة خاصة مع النوافل؛ أن نبدأ بما نستطيع، وأن نثبت عليه، وأن نجعل من صلاة الليل نافذة حوار لا عادة شكلية. فرب نافلة صادقة فتحت بابًا من القرب لم تفتحه كثرة الأعمال.

وهكذا يتحول التطوع بالصلاة في رمضان من عمل إضافي إلى مشروع قرب، ومن دقائق عابرة إلى أثر باقٍ، ومن حركة جسدية إلى رحلة قلبية تكتب للعبد سلامة الطريق، ونور القلب، ورجاء البراءة.

استشاري طب أطفال وحساسية