أساطير هدهد سليمان «1»
قلة هي الحيوانات والطيور التي تحدث عنها القرآن الكريم، وواحدة من تلك الطيور طائر الهدهد لسيدنا سليمان الذي تحدثت عنه سورة النمل، ومنشأ هذه السطور أني سمعت أحدهم يقول: إن هدهد سليمان لم يكن طائرًا، بل هو شخص اسمه الهدهد، فأذهلني هذا الحديث، وعزمت على التنقيب في قصة هذا الهدهد وعن الأساطير التي حيكت بخصوصه. وبلا ريب أن طائر الهدهد طائر عجيب وفريد، يبهر الناظر ويغري القارئ للاستماع عما نسج عنه من أساطير، فما هي أهم الأساطير التي تحدثت عن هدهد سليمان النبي؟ في البداية لم تصرح الآيات بأن الهدهد كان طيرًا، إلا أن السياق يشي بكونه مرتبطًا بالطيور، قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: آية 20]، فهل يعقل أن يكون الهدهد جنيًا أو جنديًا بشريًا؟ فالشيطان لم يكن من الملائكة لكنه عُدّ في خطاب السجود لآدم معهم لكونه مرتبطًا بهم في تلك الواقعة. من خلال المطالعات هناك من قال إن الهدهد كان جنيًا متحولًا في صورة هدهد، وكان مسؤولًا عن الاستخبارات، والخبر الذي نقله لسليمان عن عبادة مملكة سبأ هو من صميم تكاليفه ووظائفه، وهناك مسوغات لدى البعض أمام هذا الادعاء، منها أن الجن من جنود سليمان، قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: آية 17]، كما أن من خصائص الجن التحول والتشكل، فهل يكفي ذلك للإثبات؟
بعض كتب التفسير تنقل أن هذا الهدهد لديه مقدرة اكتشاف المياه الجوفية، وكأنه عالمٌ متبحرٌ يستطيع رصد هذه المواقع في عمق الصحراء، لهذا لم يكن سليمان في غنى عنه، ووجوده غاية في الأهمية؛ لذلك تفقده وسأل عنه لهذه الحاجة أو لحاجة أخرى، البعض استند إلى الآيات وأشار إلى أن الهدهد كان مؤمنًا موحدًا ولسانه ينطق عن علم بالعقيدة وكأنه عالم لاهوت ضليع متمرس، بعض الأخبار تشير إلى أنّ هدهد سليمان كان ملكًا على الطيور، وأصحاب هذا الرأي يستندون إلى وجود تاج الهدهد الذي فوق رأسه، ولا نرى أنه يكفي لإثبات هذا المدعى، وما يظهر أنها معلومة يهودية دُست ضمن جوقة الإسرائيليات وتحتاج لمزيد من الإثبات. خاصة تلك المعلومة التي تقول إنه امتلك تاجًا ذهبيًا يرمز لمكانته!
البعض تساءل: لماذا فرض سليمان على غياب هذا الهدهد عقابًا صارمًا؟ إذ قال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: آية 21]، تكهن البعض أن سليمان ظن بالهدهد أنه خان العهد، وانتقل لخدمة ملوك آخرين، غير أنّ الآيات لا تصرح بالدواعي والأسباب، وبلا شك يلزم أن يكون هذا العقاب متوافقًا مع حجم الجناية المتوقعة. البعض طرح سؤالًا: لِمَ يصر سليمان على وجود الهدهد، رغم أنّ لديه جيوش الجن؟ بعض المفسرين أشاروا إلى أن للجن وظائف محددة كالبناء والغوص، أما وظيفة المخابرات فكانت تحتاج لخفة ودقة وسرعة وهذا ما يتوافق مع طبيعة الهدهد الذي أرسله بكتابه لبلقيس.
















