ربّوهم قبل أن تزوجوهم
لسنا في حاجة إلى مزيدٍ من الدهشة أمام ارتفاع نسب الطلاق، بقدر ما نحن في حاجة إلى شجاعةٍ نُراجع بها أنفسنا. فقبل أن نُحمّل الشاب تهوّره، أو الشابة استعجالها، علينا أن نسأل سؤالًا أكثر حرجًا.. ماذا أعددنا لهما أصلًا قبل أن ندفع بهما إلى الزواج..؟
صحيح أننا نبذل جهدًا جهيدًا في إتقان تجهيز حفلاتهم، فنُحسن اختيار القاعات، ونختلف على تفاصيل المظاهر، لكننا نادرًا ما نتوقف لنسأل.. هل علّمنا أبناءنا كيف يكونون أزواجًا بالمفهوم الذي ورثناه ممن سبقونا..؟ هل درّبناهم على الصبر، على إدارة الخلاف، على تقبّل الاختلاف، على تقديم التنازل دون شعور بالهزيمة..؟ أم أننا اكتفينا بتربيتهم على النجاح الفردي، وتركناهم يدخلون الحياة المشتركة بعقولٍ لم تتدرّب على الشراكة..؟
إن الزواج لا يفشل فجأة، بل يتعثر حين يدخل إليه طرفان يحملان عاطفةً صادقة، لكن بلا تأهيلٍ كافٍ. وحين نُزوّج أبناءنا دون أن نُربي فيهم معنى المسؤولية العاطفية، فإننا نضعهم في اختبار لم نستعدّ له معهم من البداية.
في بيوتٍ كثيرة، يُربّى الابن على أن طلباته مُجابة، وأن رأيه مُقدَّم، وأن الخطأ دائمًا عند غيره. وحين يتزوج، يُفاجأ بأن الحياة لا تُدار بالطريقة ذاتها، وأن هناك شريكًا له رأي واحتياج ومزاج مختلف. وفي بيوت أخرى، تُربّى الفتاة على صورة مثالية للحياة الزوجية، أو على حساسية مفرطة تجاه النقد، أو على الاعتماد الكامل على أهلها في حل كل مشكلة. وحين تواجه أول خلاف حقيقي، تشعر أن الأرض تهتز تحت قدميها.
كثير من الأبناء لم يتعلموا في طفولتهم كيف يُصغون بصدق، ولا كيف يعتذرون، ولا كيف يحتملون سوء الفهم دون أن ينسفوا العلاقة. لم يشاهدوا نموذجًا صحيًا لحوار بين أبٍ وأم، ولم يروا خلافًا يُدار بهدوء وينتهي باحترام. فكيف نطلب منهم أن يمارسوا ما لم يتعلموه..؟
المشكلة أننا نتدخل بقوة عند وقوع الخلاف، لكننا نغيب في مرحلة البناء. نغضب إذا سمعنا بكلمة طلاق، لكننا لم نغضب يوم رأينا أبناءنا يفتقرون إلى أبسط مهارات ضبط النفس. نلومهم على قرارات متعجلة، لكننا لم نُدرّبهم على التريث.
التربية للزواج لا تعني تلقينهم عبارات محفوظة عن الحقوق والواجبات، بل تعني تدريبهم عمليًا على مهارات الحياة المشتركة.. احترام الاختلاف، إدارة الغضب، تحمّل المسؤولية، وفهم أن العلاقة ليست ساحة انتصار، بل مساحة يسودها التعاون.
قبل أن نبحث عن دور المؤسسات، وقبل أن نطالب بدورات تأهيلية، علينا أن نُقرّ بحقيقة واضحة.. الاستقرار الأسري يبدأ من البيت الأول. فإذا صلح التكوين، خفّت احتمالات الانهيار. وإذا أهملنا الجذور، فلن تنقذنا كل الحلول المتأخرة. بكل بساطة، إن أردنا جيلًا يحترم الميثاق، فعلينا أن نسأل أنفسنا بصدق.. هل ربّيناهم فعلًا للحياة التي نسعى أن نُدخلهم إليها..؟
















