آخر تحديث: 20 / 2 / 2026م - 12:44 ص

الإذاعة.. صوت لا يشيخ في زمن الصورة

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

في الأسبوع الماضي مرّ اليوم العالمي للإذاعة بهدوءٍ يكاد يشبه حال الإذاعة نفسها.. ويصادف أن يأتي هذا المقال في ثاني أيام رمضان، الشهر الذي كان للراديو فيه طقس خاص، وصوت مختلف، وذكريات لا تنسى.

أتحدث هنا من تجربة عشتها لدورتين كمذيعة في إذاعة الرياض. دخلت التجربة وأنا أظن أن الراديو فقد جمهوره، فاكتشفت جمهورًا وفيًّا، صبورًا، ومخلصًا.. لكنه ينتظر محتوى يحترم وعيه.

يُقال إن البودكاست سحب البساط من الراديو لأنه «أفضل»، هذا طرح سطحي، البودكاست ليس بديلاً نوعيًا، بل امتداد لروح الإذاعة نفسها: صوت، فكرة، حوار، بلا صورة. الفارق ليس في الوسيط، بل في المنتج. البودكاست نجح لأنه أكثر تحررًا في المحتوى، أسرع في التجديد، وأذكى في التسويق، أما الراديو، فتحدياته ليست تقنية، بل في الإدارة والمحتوى والتسويقي.

الراديو وسيلة منخفضة التكلفة مقارنة بالتلفزيون، أقل تعقيدًا في الإنتاج، وأسرع في الاستجابة للأحداث، لكنه يحتاج إلى قيادة إعلامية تؤمن به كمنصة استراتيجية لا كأداة ثانوية. وهنا يبرز دور هيئة الإذاعة والتلفزيون في إعادة تعريف موقع الإذاعة ضمن المشهد الإعلامي، ومنحها صلاحيات أوسع، ومساحات إبداعية أكبر، وأدوات تسويق رقمية متقدمة.

س: من يستمع إلى الراديو اليوم؟

في زحمة الشوارع حيث تتحول السيارة إلى مساحة تفكير خاصة.

في غرف المرضى بالمستشفيات أو المنازل، حين تكون الصورة مرهقة والصوت أرحم.

لمن يعانون من مشكلات بصرية.

لمن يفضلون الاستماع قبل النوم.

وحتى في الطائرات، حيث ما زالت القنوات الإذاعية حاضرة.. لكن غالبًا بمحتوى غير جاذب.

أتذكر في إحدى رحلاتي أن سائق سيارة الأجرة كان يستمع إلى محطة حوارية ثقيلة الطرح. لم أكن معنية بموضوع الحلقة، لكنني وجدت نفسي أتابع بشغف. المذيعة متمكنة، الضيف عميق، الإيقاع محسوب. لم يكن الجذب بالمعلومة فقط، بل بطريقة تقديمها. الإذاعة حين تحترم عقل المستمع، تجبره على البقاء.

جيلنا يتذكر إذاعات الخليج في الشرقية، والمسلسلات والمسرحيات الإذاعية في رمضان. العمل الدرامي كان يُختزل ليُناسب الأذن دون أن يفقد روحه. اليوم ما زالت التعليقات الرياضية عبر الراديو تحظى بجمهور واسع. المباريات المنقولة صوتيًا تخلق حالة تفاعلية عالية لأن التعليق احترافي والإيقاع سريع واللغة حماسية. حين قدمت برنامج «تحفيز»، كنا نناقش القرارات، والأيام العالمية، والخدمات الحكومية، ونستضيف مختصين لتبسيط الصورة. حجم التفاعل كان لافتًا. الناس تريد أن تفهم ما يمسها، وتريد تفسيرًا مهنيًا بعيدًا عن التعقيد. وعندما يُفتح لهم باب المداخلة، يصبحون شركاء في المحتوى لا مجرد مستهلكين.

الإذاعة ليست وسيطًا قديمًا، بل منصة تحتاج إلى تحديث استراتيجي.. والتحدي لتطوير الإذاعة يكمن في ثلاثة محاور:

أولًا: المحتوى:

نحتاج إلى برامج حوارية عميقة، مسلسلات إذاعية حديثة، محتوى تثقيفي مبسط، وبرامج شبابية ذكية.

ثانيًا: التجديد:

الربط بين الإذاعة والمنصات الرقمية ضرورة. تحويل البرامج إلى حلقات بودكاست، نشر المقاطع المميزة عبر وسائل التواصل، وبناء هوية رقمية لكل محطة.

ثالثًا: التسويق والتقدير المؤسسي.

لا يمكن جذب الكفاءات إذا لم يُنظر إلى الإذاعة كمسار مهني جاذب. الاستثمار في المذيعين والمُعدين ومنحهم مساحة إبداع هو ما يصنع الفارق.

ختاما.. الإعلام ليس صورة فقط. أحيانًا يكون الصوت أصدق.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
السيد إبراهيم
19 / 2 / 2026م - 1:47 م
كل ما تفضلتي به ممتاز لكن نسيتي ان الراديو مزعج في السيارة تداخلات الأصوات وتشويش في مقابله البودكاست صافي الصوت ومفيد في الطرح.
في زحمة الطرق اسمع عبر البلوتوث افضل من الراديو الإذاعة لابد ان تنتهي حالها كحال التلفون الأرضي والتلفزيون الهوائي والصحيفة الورقية كل هولاء في طريقهم للانتهاء
استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي