شُعراء في حضرةِ الوطَن
تختلفُ مقاربات الشعراءِ للوطن وتجلِّياته، فمنذ الجاهليةِ يأتي كمُقاربةٍ سريعة وخاطفةٍ كحال المعلَّقات والقصائد والمقطُوعات، التي قِيلت قبل تكوُّن الدولة الحدِيثة، أو يأتي كغرضِ مستقل كحالِ قصائد الشِّعر الحديث، التي قِيلت بعد تكوُّن الدول واستقلالها.
امرؤُ القيس في معلَّقته تذكَّر الربع والأحبابَ وبكى، قبل أنْ يتخذ من سكنِ المحبوبة وطناً يحنُّ إليه:
قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل
بِسقط الِّلوى بين الدَّخول فحوملِ
على نفسِ المنوال تجيشُ مشاعر عنترةَ وهو يصرخُ في معلَّقته، متجهاً إلى سكنِ عبلة، التي تصبحُ الوجهة والسبيلَ نحو اكتشافِ الذات ومعرفةِ الانتماء، فالشاعرُ لا يرى نفسهُ إلا ملتصقاً بديارها ومردفاً إياها على ناقتِه:
هل غادرَ الشعراءُ من متردَّم
أم هل عرفتِ الدار بعد توهُّم؟
يا دارَ عبلة بالجواءِ تكلَّمي
وعَمي صباحاً دار عبلةَ وانعمِ
أمَّا مجنون ليلى فبسببِ ابتعاد محبوبتهِ واشتياقه للقائِها؛ فقد عقلهُ وما بقي لديهِ من إدراك، فخرجَ عن مضارب قبيلتهِ يجوب الصحراءَ ويسكن القفارَ ويعيش مع الوحوشِ والذئاب؛ متخذاً صداقتهم سبيلاً للبقاء، وهو الفعلُ الذي مارسهُ الشَّنفرى حين هربَ من قبيلته مفضِّلاً البقاء مع الحيواناتِ الضارية، التي ستغدو شركاءُه في الوطن وأصدقاءَه في المصاعبِ والمحن:
أقيمُوا بني أُمي صدُور مطيِّكم
فإني إلى قومٍ سِواكم لأميلُ
معَ صعود الدولة وتكوُّن المجتمعات وانتقالها من البداوةِ إلى الحضارة؛ اختلفت الانتماءاتُ والولاءات، فلم تعد متَّجِهة ناحية سكنِ المحبوبة وديارها، إذ غدا لكلِّ شاعر بلدٌ يحميه وقبيلةٌ تدافع عنه وأرضٌ ينتمي إليها، يسكُنها مع عشيرتهِ وعائلته؛ ما جعلَ الخطاب يتَّجه إليها، كما فعلَ ابنُ الرومي في قصيدتِه التي قالها في جارِ سُوء، أراد احتلالَ داره وطردهِ من جِوَاره، إذ لما يئِسَ من بيع الدار هدَمَ أجزاء من الجِدَار، فتألم الشاعرُ واشتكى للقاضِي، لكن العدالةَ غابت ولم يجد لشكواهُ نتيجَة، فهاجَت نفسُه وهجا الجاني بقصِيدة؛ أكَّدت أن البيتَ وطنٌ يحمي ويقي من الأعداءِ والطَّقس والتشرُّد:
ولي وطنٌ آليت ألا أبيعَهُ
وألا أرى غيري له الدهرَ مالكا
عهْدتُ به شرخَ الشبابِ ونعمةً
كنعمةِ قومٍ أصبحوا في ظِلالكا
فقد ألفَتْهُ النفسُ حتَّى كأنه
لها جسدٌ إن بانَ غودِرْتُ هالكا
وحبَّب أوطانَ الرجالِ إليهمُ
مآربُ قضَّاها الشبابُ هنالكا
إذا ذكروا أوطانَهُم ذكَّرتهمُ
عُهودَ الصبا فيها فحنُّوا لذلكا
لعلَّ هذه القصيدة أولُ قصيدة تذكرُ الوطن بلفظهِ في الشعرِ العربي، وإن كان المعنى المقصودُ يختلف عن الدلالةِ الحالية لمعنى الوطَن، ففيها يمكنُ ملاحظة الولاءِ والانتماء والوقايةِ من الأعداء والمحافظةِ على النفس والعِرض والمال، وهي أمورٌ تتلازم مع الوطنِ وتُشكِّل أساس العلاقةِ معه، وقد عارضَها الشعراء واستلهمُوا معانيها، حيث ضمَّنوها في أشعارهم واستفادُوا من توظيفِ دلالتها في بناءِ قصائدهم، ومن هؤلاءِ الشاعر عبدُ العزيز العجلان صاحبِ ديوان «أشياء من ذات الليل»، الذي يقولُ في قصيدةِ ”تلويحة للوطن“:
ولي وطنٌ آليت أحضن تُربه
ويحضُنني حتى تذوبَ القصائدُ
أنا منه خلف البعد لحنٌ مغامر
يراوده شادٍ ويرويه عابدُ
تطوفُ بي الآفاق أنأَى مُكابرًا
وتطويه في قلبي ليالٍ رواكدُ
وتستيقظُ الرؤيا فأرتد فجأةً
أكابدُ من أشواقه ما أكابدُ
عارضَ العجلان قصيدةَ ابن الرومي وأخذَ منها اللغة والمعنى والبناءَ الفني، لكنّّه أعاد توظيفَ الدلالة اللفظيَّة للبيت، لتنتقلَ من المفرد إلى الجمعِ ومن الجزءِ إلى الكل، فلا تعودُ الدلالة محصورةً في البيت الذي يسكنُه ويأوي إليه، بل في الوطنِ الكامل الذي ينتمِي إليه ويذُوب عِشقاً في ترابه، وهو معنًى حديثٌ استلهمهُ الشعراء مع تكوُّن الدول وتسمِيَتها والانتماءِ لها.
كذلكَ عارض الشاعرُ علي الدُّميني قصيدة ابنِ الرومي، فنسجَ على مِنوالها انتماءه وحبه لوطنٍ جامع ضمَّ كل الأطرافِ والأطياف، وإذا كان عبدَ العزيز العجلان قد عبَّر عن مشاعرِه واشتياقه لوطنِه، فإن الدُّميني ذهب أبعدَ من ذلك، إذ رأى الوطَن ملاذاً ينبغي الاحتماءُ به والدِّفاع عنه ضدَّ الأعداء والمتربِّصين:
ولي وطنٌ قاسَمتُه فتنة الهوى
ونافحتُ عن بطحائه من يقاتلُه
إذا ما سقاني الغيث رطباً من الحيا
تنفّس صبح الخيل وانهلّ وابلُه
وإن مسّني قهرٌ تلمّستُ بابه
فتورق في قلبي بروقاً قبائلُه
تمسّكت من خوفٍ عليه بأمّتي
وأشهرتُ سيف الحبّ هذي قوافلُه
معنى الالتِجَاءُ تذهب إليه الشاعرةُ ثُريا العريِّض في ديوانها «أينَ اتجاه الشجر؟»، إذ في قصِيدتها ”حين غنَّت الزرقاء“ مزجَت مشاعر الشوقِ واللهفة، الناتجةِ بسبب ابتعادِها وغيابها الطويلِ عن تراب الوطنِ وأحضانه، حتى غدا مساوياً للذات ومعادلاً موضوعيًّا لها، فالذات والوطنٌ هما شيءٌ واحد:
كلُّ وجودي أنت
بكلِّ جفافك.. كلِّ الغبار
فيكُ العيون التي سكنتني تُظل
والوجوهُ التي سُكبتْ بملامح وجهي
انعكاساتُ أشجانها.. لم تزل..
لك يا وطني لهفةُ الحب
حين بأعماقنا يتمادى اشتياقُ النهار
وتطفح أغنيةٌ من بقايا زمانٍ عتيق
روعةً.. حلمًا..
لك أغنيةُ الحزن..
لك أغنيةُ السعد..
أغنيةُ الأمل المتولِّد تحت الجفون.
التوحُّد بين الذات والوطن معنًى التقطه الشاعرُ ياسر آل غريب في قصيدةِ ”وطن مُضارع“، فسكبَ فيها مشاعره ومزجَها بتضاريس البِلاد، وأخذ يبوحُ بهواجسه وأسرارِه للرمل والبحرِ والقوافل:
ذوَّبتُ خارطةَ البلادِ بذاتي
وَصَهَرْتُ بالحبِّ/ الأثيرِ جهاتي
فرأيتُ أجملَ لحظةٍ في خاطِرِي
مزدانةٍ بتجاربِ السَّنواتِ
كمْ أبصرتُ في الصحراءِ لؤلؤةً
وكم ألفيتُ مدَّ البحرِ قافلةً
كذلكَ أحصدُ الأحلامَ في طيفِ المَنَالْ
وطني أنا.. لاشيءَ يفصلُ بيننا
نادمْتُهُ السِّرَّ المخبأَ في السَّنا
أنا صوتُهُ الممتدُّ من مهدِ الصِّبا
حتى مَجَرَّاتِ الرغائبِ والمنى
مازلتَ يا وطني رحيقَ بياني
وعقيدةً خضراءَ وسط َجَناني
وطبيعةُ الأوطان أنَّ ترابَها
متعطرٌ بشمائلِ الإنسان
هذا أنا..
أو قلْ كمَا شاءَ الهوى:
هذي تضاريسُ البلادْ
الشاعرةُ مستورة العُرابي في قصيدةِ ”أطلُّ على الوطن الأخضر“، بلغت قِمَّة التوحُّد مع الوطن، فلا يعودُ هنالك إمكانٌ للتفريق بينَهما، إذ لم يعُد مجرَّد فكرة، بل أصبحَ ذاكرة متجسِّدة وحاضرة على الدَّوام، تُشعِر الإنسان بالفخرِ والعز والانتِمَاء:
ماذا أقول لفكرةٍ تجتاحني
فأنا الحكاية كلُّها
وفمي قصائده الشهيّة
فهو ذاكرتي وموّالي
تسرّب في الحنايا واطمأنّ..
لا لغةٌ سواهُ تضمّني
كلّي أناهُ
وبي اعتزازٌ أخضرُ الشرفات
يأخذني إلى عشقٍ سعوديّ الطريقة
كلُّ عشقٍ ممتحنْ..
الشاعرُ شفيق العَبادي في قصيدةِ ”بيني وبين أحرُفي“ يرى الوطنَ منبع الحريةِ لكل فنانٍ وشاعر، فيستدعِيه ليبعث الاطمئِنانَ في قلوب المبدعِين، وأن وراءَهم وطنٌ يحتفي بهم وبإنجَازاتهم:
بيني وبين أحرُفي رِهان
فاسعَف فمي يا سيِّد الأوطان
وأطلِق فمي يُرتِّل الحياة
محافِلاً إنْ عزَّت اليدان
وأطلِق يدي لترسمَ الفضاء
قصيدةً وعيدُكَ العنوان
تُشرق من بين سطُورها
عبر المدى ملحمةُ الإنسان
أمَّا الشاعرُ حيدر العبدالله في قصِيدة ”تلٌّ يحمرُّ وفزَّاعة“، فيرى الوطنَ امرأة فاتنة يعشقُها كل إنسان، يعيشُ على أرضه وبينَ رماله، حيث يخشى أن تتوجَّع أو تُصاب بأذى، متذكراً ليلى حبيبة قيسٍ الذي جُنَّ بسبب حبِّها، فلا مانع أن يجنَّ الإنسَان من عشقهِ لوطنه:
وجههُ لا تستر الكفُّ احمرارَه
قبَّلته الشمس فاشتدَّ حرارة
الكثيبُ الرحب خدُّ امرأةٍ
غضَّةٍ كلَّلهُ زهرُ البكارَه
كلَّما احمرَّ حسبناها يداً
لطمتهُ، فتداركنا ذِماره
- أرضهُ ليلاهُ -:
يا ليلى خذي معطفي نامي، فكُمّاه خفارَة
















