آخر تحديث: 18 / 2 / 2026م - 11:48 م

السودان وضرورة عودة الدولة

الدكتور عبد الله فيصل آل ربح * صحيفة ‏الشرق الأوسط

يقف السودان اليومَ أمام واحدة من أعقد أزماته البنيوية، حيث يتجاوز الصراع الدائر فيه حدود التنافس السياسي أو العسكري التقليدي، ليتحول إلى صدام وجودي بين مفهوم الدولة الوطنية بمؤسساتها، ومفهوم اللادولة الذي تمثله الفواعل المسلحة الموازية. وفي علم الاجتماع السياسي، لا يمكن قراءة مشاهد العنف المتصاعدة إلا بوصفها نتيجة حتمية لانهيار احتكار السلطة الشرعية لأدوات القوة، مما يفتح الباب واسعاً أمام ارتداد المجتمع إلى ولاءاته العرقية والقبلية الأولية، وبروز أمراء الحرب.

إنَّ هذا التوصيف النظري لسوسيولوجيا الفراغ الأمني يتجسّد اليوم بدموية مفرطة على الأراضي السودانية. فما كشفت عنه التقارير الأممية مؤخراً حول مقتل أكثر من ستة آلاف شخص خلال أيام معدودة في مدينة الفاشر على يد «قوات الدعم السريع»، وما رافق ذلك من استهداف عرقي ممنهج ضد بعض القبائل، وممارسة العنف الجنسي والاعتقالات التعسفية، ليست مجرد أضرار جانبية للحروب، بل هي الانعكاس الطبيعي لسلوك الميليشيات حين تحل محل الدولة، حيث يتحول العنف من أداة سيادية منضبطة ومقيدة بالقانون إلى وسيلة استئصالية لفرض الهيمنة وبث الرعب.

أمام هذه المأساة، وفي ظل حالة من التراخي الدولي التي تجلت في قمة الاتحاد الأفريقي الأخيرة، يتبلور الموقف العربي وفق منطق منهجي يستند إلى ضرورة حماية كيان الدولة ومؤسساتها. وهنا تبرز الرؤية الاستراتيجية السعودية التي تدرك أن أمنها القومي مرتبط عضوياً باستعادة هيبة الدولة في جوارها الجغرافي. فالمقاربة السعودية في السودان تنطلق من قناعة راسخة بأن الحفاظ على وحدة المؤسسة العسكرية الوطنية هو الضمانة الوحيدة للحيلولة دون تحول البلاد إلى ساحة مفتوحة لأمراء الحرب. وهذا التوجه يتعارض تماماً مع بعض المقاربات الإقليمية البرغماتية التي لا تجد حرجاً في التعامل مع قوى موازية، مما يطيل أمد الحرب ويفاقم مأساة التفتت العرقي. فدعم خيار الدولة في السودان بالنسبة إلى الرياض هو ضرورة استراتيجية قصوى، إذ لا يمكن للبحر الأحمر أن يدار كبحيرة استقرار في ظل بيئة تعاني من التفتت المؤسسي والتشظي العرقي على ضفته المقابلة.

ويتكامل هذا التوجه مع الموقف المصري الأخير الذي يمثل تعبيراً واضحاً عن هذه الاستراتيجية العربية لحماية المركز؛ حيث رسمت القاهرة خطوطاً حمراء، محذرةً من استجابة حاسمة وحازمة لأي تجاوز يهدد أمن السودان القومي، والذي يعد امتداداً للأمن القومي المصري. واللافت في الطرح الدبلوماسي المصري هو تركيزه على تفكيك جذور الأزمة، المتمثلة في وجود المرتزقة والميليشيات غير الشرعية، مع التشديد الصارم على رفض المساواة بين الجيش الوطني ومؤسسات الدولة من جهة، وبين تلك الكيانات المسلحة الموازية من جهة أخرى. إن هذا الرفض هو في جوهره دفاع عن فكرة المؤسسة في مواجهة خطر التشظي.

يتناغم هذا الاصطفاف الإقليمي الداعم للدولة مع المبادرات السياسية الجديدة المطروحة لوقف الحرب، والتي لم تعد تكتفي بالدعوة التقليدية إلى التهدئة، بل تذهب أعمق نحو المطالبة بحل «قوات الدعم السريع» وترحيل المرتزقة الأجانب. هذا التطور في بنية المبادرات يعكس قناعة متزايدة بأن أنصاف الحلول التي تُبقي على ازدواجية السلاح لن تُفضي إلا إلى تأجيل الانفجار، وأن الحل الجذري يكمن في إنهاء التمرد واستعادة المركزية المفقودة.

إن الفوقية التي تمارسها الجماعات المسلحة في السودان ضد المدنيين العزل، ومحاولتها فرض واقع جديد بقوة السلاح، تصطدم اليوم بجدار الرفض العربي لتفكيك المؤسسات.

بالمختصر، لا يمكن الرهان على استقرار السودان وتأمين محيطه الإقليمي الحيوي إلا عبر العودة إلى المربع الأول المتمثل في احتكار الدولة للسلطة والسلاح. وأي تسوية سياسية لا تضع في صلبها إنهاء ظاهرة الفواعل العنيفة غير التابعة للدولة، هي في حقيقتها تشريع للفوضى، وتأجيل لانهيار قادم سيدفع ثمنه السودانيون ومحيطهم الإقليمي بأكمله.

أستاذ علم الاجتماع الديني والنظرية الاجتماعية بجامعة جراند فالي