في المشهد السردي السعودي يبرز الأديب عبد الجليل عباس الحافظ بوصفه قاصًا وناقدًا جمع بين الكتابة وتأملها، فكان يبدع النص ويعود ليفككه، مستنطقًا التراث ومنفتحًا على التجريب. في تجربته تتجاور ألف ليلة وليلة مع القصة القصيرة جدًا، ويتحول السؤال عن الحكاية إلى سؤال عن الوجود وإمكانات السرد.
يعد من الأصوات المؤثرة في الساحة الأدبية، وقد حظيت أعماله باهتمام أكاديمي ونقدي واسع، فكانت موضوعًا لرسائل جامعية وقراءات عربية رصينة، تقديرًا لعمق مشروعه وإسهامه في تطوير الخطاب السردي.
هو قاص وناقد سعودي، حاصل على الماجستير في الأدب والنقد، ويواصل دراساته العليا في مرحلة الدكتوراه. في النقد أصدر كتبًا من أبرزها ”في صحبة شهرزاد: كيف تُروى الحكاية؟“ إلى جانب دراسات في الليالي العربية. وفي الإبداع نشر مجموعات قصصية مثل ”ناي“ و”عتمة“ و”موت“.
كما كان فاعلًا في الحراك الثقافي، عضوًا في نادي الأحساء الأدبي ورئيسًا للجنة السرد فيه، وأسهم في الندوات والبرامج بوصفه محاضرًا ومنظمًا. يبقى عبد الجليل الحافظ مشروعًا مفتوحًا؛ يكتب الحكاية، ويعيد التفكير فيها، بحثًا عن نصه الحلم.
في هذا الحوار، نقترب من عالمه حيث تتجاور ألف ليلة وليلة مع القصة القصيرة جدًا، ويتجاور صوت المبدع مع وعي الأكاديمي، ويصبح السؤال عن الكتابة سؤالًا عن الوجود، وعن الحكاية، وعن النص الذي نحلم به ولا نصل إليه.
إنها رحلة في مختبر السرد، نحاول فيها أن نفهم كيف تتشكل الحكايات، وكيف تعيش، ولماذا تظل قابلة لأن تُروى من جديد.
مشروعك السردي والنقدي يبدو شديد الارتباط بالتراث الحكائي العربي، ولا سيما ”ألف ليلة وليلة“. كيف ترى حدود العلاقة بين استلهام التراث وإعادة إنتاجه، وبين القطيعة الإبداعية التي يفرضها السرد المعاصر؟
الاتجاه التخصصي الذي أسير عليه هو السرديات العربية عمومًا، والسرديات التراثية الشعبية خصوصًا. ويأتي كتاب ألف ليلة وليلة ضمن هذه السرديات، وله مكانة خاصة في التراث السردي، ليس العربي فقط بل العالمي؛ إذ استلهمه كتّاب الرواية والقصة، كما استلهمه صناع السينما والمسرح من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. وقد أشرت إلى ذلك في إصداري ”مخطوطات ألف ليلة…“.
التراث الحكائي مصدر غزير للسرد المعاصر؛ نعيد إنتاجه أحيانًا بوعي، وفي الغالب دون وعي. فنحن نتناص مع كل ما حولنا، ولا يمكننا الإفلات من هذا التناص إلا إذا كنا آدم - كما يقول باختين - لأنه الوحيد الذي لم توجد اللغة قبله. لذلك لا حدود لإعادة إنتاج التراث؛ فكل لفظة نستخدمها هي تراث سابق نعيد استدعاءه.
في نص ”قرية الذئاب“ من مجموعتي القصصية ”عتمة“ أعدت كتابة حكاية تراثية متداولة في الحليلة على مرحلتين:
الأولى إيراد النص التراثي كما هو، بحيث يتعرف عليه من سمع الحكاية من قبل.
والثانية تطوير الحكاية والبناء عليها لتصبح نصًا جديدًا.
وهذا أمر طبيعي حتى داخل الحكايات التراثية نفسها؛ فالجدات حين يروين الحكاية تختلف بعض التفاصيل من راوية إلى أخرى، ومع انتقالها بين الناس تتشكل روايات متعددة تنطلق من أصل واحد، فينشأ لدينا أكثر من نص متجاور.
وفي السرد القصصي والروائي يمكن استخدام الحكاية بالتضمين، أو بالبناء عليها، أو بإعادة كتابتها وتوسيعها. وقد فعل ذلك مثلًا باولو كويلو في روايته الخيميائي التي انطلقت من نص قصير جدًا في ألف ليلة وليلة لتصبح عملًا أدبيًا عالميًا.
تكتب القصة القصيرة والقصة القصيرة جدًا، وتنشغل بالنقد الأكاديمي. كيف أثّر ذلك في خياراتك الإبداعية؟ وهل يقيّد الناقد القاص أم يرشده؟
قلة قليلة من المبدعين يستطيعون الجمع بين النقد والإبداع والاستمرار في كليهما بالكفاءة نفسها. أما الأكثرية فإما أن يبدعوا في أحد المجالين ويكونوا عاديين في الآخر، أو يتوقفوا عن ممارسة أحدهما ليكملوا مسيرتهم في المجال الثاني، وربما ينتقلون لاحقًا مرة أخرى. ولعلي مررت بشيء من ذلك.
عناوين أعمالك مثل ”عتمة“ و”موت“ و”ناي“ ذات كثافة رمزية. هل هي رؤية وجودية أم أداة جمالية؟
الدلالة العميقة تحتاج إلى تكثيف لفظي؛ فكلما قلّ اللفظ اتسع المعنى. نجد هذا في معظم النصوص ذات البعد العميق، وهو من جماليات الكتابة والرؤية. ولا يعني ذلك أن الإسهاب لا يحمل عمقًا، لكن بشرط أن تكون كل كلمة في موضعها، وألا توجد كلمة يمكن الاستغناء عنها.
لك حضور في العمل الثقافي المؤسسي. كيف ترى دور المؤسسة في دعم السرد؟
العمل المؤسسي جزء من الحراك الثقافي، ولا يكتمل إلا بتفاعل الأفراد مع المجتمع ومع المؤسسات. إنها منظومة مترابطة، ولا يتحقق نجاحها إلا بتعاون أركانها الثلاثة. وأظن أنني حين انتميت إلى هذه المؤسسات ساهمت في حراك جيد، من أبرز نتائجه مشروع كتاب السرد في الأحساء الذي انطلق باقتراح مني، إضافة إلى الأنشطة التي قدمتها اللجان للمجتمع السردي.
هل ترى مشروعك مكتملًا اليوم؟
لا يوجد مشروع مكتمل في الإبداع؛ يكتمل المشروع وينتهي حين يموت صاحبه، أيا كانت صورة هذا الموت.
كيف تقيّم مسيرة السرد في الحليلة؟
بحسب اطلاعي، فإن عدد كتّاب القصة والرواية في الحليلة محدود، وهذه طبيعة هذا الفن عالميًا. ومع ذلك، فصناعة الحكاية جزء من حياتنا اليومية؛ كل إنسان يصنع حكايته ويرويها. لكنه حين يرويها لا يقدمها كما حدثت، بل وفق رؤيته وأهدافه.
فلو وقع حادث طريق مثلًا، فإن كل طرف يرويه بطريقة تُبعد عنه الخطأ، وقد يُدخل عنصرًا ثالثًا في الحكاية. هكذا تتشكل السرديات.
كيف أثّر اشتغالك النقدي والأكاديمي في وعيك السردي عند كتابة القصة؟ وهل تشعر بوجود شدّ خفي بين صوت الناقد وصوت المبدع؟
التأثير النقدي والقراءة العلمية لا بد أن يُلقيا بظلالهما على الإنسان، ليس في الكتابة فقط، بل حتى في مهنته وتخصصه أيا كان. فالطبيب مثلًا حين يكتب نصًا سرديًا، ستظهر مهنته في فضاءات السرد، وفي الشخصيات، وفي طريقة الحديث والمصطلحات، بل في الدقة العالية للوصف.
أما القاص غير الممارس للمهن الطبية، إن لم يكن ملمًّا بها، فلن يستطيع تقديم تفاصيل مقنعة. نرى هذا كثيرًا في الأعمال التمثيلية؛ فحين يتعرض شخص لسكتة قلبية مثلًا، يضع يده فورًا على قلبه وكأنه يعرف التشخيص مباشرة، بينما الواقع مختلف.
الممارسة الأكاديمية، خصوصًا في النقد، أفرزت أيضًا ما يُعرف في السرد بـ ”الميتاسرد“، أي الحديث عن السرد داخل السرد، حيث تناقش الشخصيات عملية بناء الحكاية، أو تشير إلى نصوص أخرى، أو تشتغل على مستويات متعددة من الوعي السردي. كما فتحت المجال أمام التجريب، سواء في التقنيات أم في الأفكار.
كثير من نصوصك تقوم على التكثيف والدهشة. هل القارئ المعاصر ما زال متفاعلًا مع هذا النمط أم يميل إلى السرد المطوّل؟
لا يمكن حصر القارئ في نوع واحد من السرد، قصيرًا كان أم طويلًا. القارئ نفسه يتنقل بين أجناس أدبية متعددة، وتختلف اختياراته بحسب العمر والاهتمامات.
فالقارئ الصغير يميل إلى الصورة، مثل الأنيمي والكوميكس، بينما قد ينجذب المراهق إلى الجريمة والفنتازيا والبطولة.
نصوص التكثيف تبحث عن قارئ أكثر وعيًا، ولذلك يكون جمهورها قليلًا، وهذا أمر طبيعي في القصة القصيرة والقصيرة جدًا. فهي تحتاج ذائقة خاصة تختلف عن ذائقة الجمهور العام، الذي غالبًا ما يكون مستعدًا أكثر لتلقي الحكاية المباشرة ذات الطابع الشعبي.
كيف تنظر إلى العلاقة بين السرد التراثي، ولا سيما ”ألف ليلة وليلة“، والسرد المعاصر؟ وهل الاستلهام ضرورة أم عبء؟
كما ذكرت سابقًا، العملية التناصية لا يمكن التخلص منها؛ فهي تسكن في أعماقنا على مستوى الوعي واللاوعي. كل ما سمعناه أو قرأناه أو شاهدناه يعود للظهور في الكتابة، حتى لو كان بعيدًا في الزمن.
ألف ليلة وليلة تراث حيّ يعيش فينا؛ كثير من حكاياته تُروى دون أن يدرك الناس مصدرها. وهو نفسه قام على هضم حكايات الشعوب وإعادة إنتاجها. فالتجار كانوا ينقلون البضائع، لكنهم كانوا ينقلون الحكايات أيضًا، يستوردونها ويصدرونها.
وعندما تصل هذه الحكايات إلى بيئة جديدة، يعاد تشكيلها لتناسب ثقافتها. والكاتب السردي يفعل الشيء نفسه، سواء في القصة القصيرة أو الرواية.
وليس من الخطأ، ولا يُعد سرقة، أن ترد حكاية شعبية كما هي داخل النص، سواء حدثت لإحدى الشخصيات أو جاءت على لسانها.
القصة القصيرة جدًا ساحة جدل واسع. هل استقرّت أم ما زالت تبحث عن مشروعها؟
السرد جنس متحرك وخطِر، وهو أسرع تطورًا من الشعر بسبب كثافة التجريب. ومع كل هذا التغير، لا بد أن يحتفظ بالحد الأدنى الذي يجعلنا نعرف أنه ينتمي إلى هذا الفن، كما يؤكد النقاد المؤسسون مثل تزفيتان تودوروف.
بعد هذه المسيرة، ما السؤال الذي ما زال يؤرقك؟
الأسئلة لا تنتهي ما دام الإنسان حيًا. لكن يبقى السؤال الأكبر:
هل كتبت النص الحلم؟
وأعتقد أن هذا النص لا يمكن الوصول إليه.
لى أي مدى أسهمت البيئة المحلية في تشكيل مخيلتك السردية؟ وهل تحرص على استحضاره بوصفه فضاءً جماليًا أم خلفية إنسانية فقط؟
في نصوصي فضاءات عديدة ومتنوعة؛ أتحرك بين فضاءات إنسانية مجردة، وبين فضاءات محلية أحسائية، سواء كانت الصحراء أو الواحة أو تفاصيل الإنسان البسيط. المكان بالنسبة لي ليس إطارًا واحدًا ثابتًا، بل إمكان مفتوح للتشكيل.
في كثير من نصوصك حضور لافت للصمت والمسكوت عنه. هل ما لا يُقال أبلغ أحيانًا من التصريح المباشر؟
الصمت في حد ذاته حكاية يمكن أن تُروى بألف طريقة، وتُنسج حوله ملايين القصص. قد يكون قلقًا، أو خوفًا، أو فرحًا، أو دهشة، أو رعبًا، أو أمانًا، أو جمالًا.
والقصة الحقيقية ينبغي أن تقول ولا تقول في الوقت نفسه؛ جمالها أن تُخفي المعنى بقدر ما تكشفه.
كيف تنظر إلى العلاقة بين السرد والفلسفة في تجربتك؟ وهل الكتابة وسيلة لطرح الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات؟
أنا قارئ بسيط في الفلسفة، لذلك لا أستطيع القول إن نصوصي ترتبط بها من حيث توصيفها العلمي.
مع التحولات الرقمية ووسائل التواصل، هل الذائقة السردية العربية تتطور أم تتشظى؟
الذائقة الإنسانية بطبيعتها متطورة وقادرة على هضم كل شيء؛ منذ الحكاية الأولى التي رواها الإنسان، وحتى ما يُروى اليوم. تطور النص الحكائي عبر التاريخ في اللغة والتكثيف والصور والتقنيات، وسيظل يتطور ما دام الإنسان مستمرًا في الحكي.
ما الدور الذي ينبغي أن يؤديه الناقد اليوم؟
مهمة النقد ليست التوجيه أو التوثيق فحسب، ولا مجرد المشاركة في صناعة المشهد الأدبي. النص النقدي هو إبداع آخر، يستنطق النص الأدبي ليضيئه، ويقدّم كتابة لغوية جديدة موازية له.
الخاتمة:
بعد هذا المسار الطويل من الأسئلة، لا يبدو أننا وصلنا إلى نهاية، بل إلى بداية أخرى. فالسرد، كما يراه عبد الجليل الحافظ، كائن لا يستقر، والحكاية لا تكف عن التحول، والكاتب يظل يسير نحو نصٍ يتخيله أكثر مما يبلغه.
لقد كشف الحوار عن تجربة ترى في التراث حياة متجددة، وفي النقد شريكًا للإبداع، وفي الصمت لغة موازية للكلمات. تجربة تؤمن بأن الحكي فعل إنساني مستمر، ما دام في العالم من يريد أن يسمع، أو أن يضيف روايته الخاصة.
يبقى الامتنان لهذا الصوت الذي فتح لنا أبواب ورشته، وترك لنا فرصة أن نطل على أسرار صناعة الحكاية، قبل أن تعود لتبدأ من جديد في مكان آخر.