هل نصوم 30 يوماً في رمضان هذا العام؟
نقاش في الحساب والإستهلال لبدايات الشهور
«شهر رمضان ثلاثون يومًا لا ينقص أبدًا» الإمام جعفر الصادق
[وسائل الشيعة، ج 10، الحر العاملي].
«شهر رمضان هو شهر من الشهور يُصيبه ما يُصيب الشهور من النقصان» - الإمام جعفر الصادق
[الاستبصار، ج 2].
لقد شعرنا بالسعادة عندما حدث التوافق بين الرأي الديني والرأي الفلكي في اختتام شهر رجب بعدد ثلاثين يومًا، مما فتح النقاش القديم الحديث حول تتالي الشهر التام والشعر غير التام، لكننا نحتاج إلى تقديم بسيط.
من المُسَلَّم به أنّ عدد أيام السنة القمرية 354 يومًا إلى 355 يومًا، موزعة على ستة أشهر بعدد ثلاثين يومًا بمجموع 180 يومًا، وستة أشهر أخرى بعدد 29 يومًا بمجموع 174 يومًا، وبالتالي فإنّ العام القمري يصبح 354 يومًا تقريبًا، وعادةً ما يتناوب الشهر التام ثلاثين يومًا بعد شهر غير تام 29 يومًا، وهو ما يلفت نظرنا إلى مسيرة شهر رمضان المبارك في هذا العام.
من جهة أخرى، فإنّ العام الإفرنجي يتكون من 365 يومًا، موزعة على سبعة أشهر بحساب 31 يومًا بمجموع مقداره 217 يومًا، وأربعة أشهر بحساب 30 يومًا بمجموع مقداره 120 يومًا، وشهر واحد بحساب 28 يومًا، وبالتالي يصبح المجموع 365 يومًا.
لقد بدأ شهر رجب في يوم الاثنين 22/12/2025 م، بينما ابتدأ شهر شعبان 21/1/2026 م، ونتوقع أن نرى هلال شهر رمضان في مساء يوم الأربعاء 18/2/2026 م، فإذا عرفنا أن الشهر الأول الإفرنجي هو 31 يومًا «من 21 إلى 31 = 11 يومًا»، تصبح المعادلة كالتالي: 11 يومًا + 18 يومًا = 29 يومًا؛ فإذا ما صدق التوقع، وهو المعتاد في الأشهر القمرية، فإن الموضوع بكل بساطة: شهر رجب ثلاثون يومًا، وشهر شعبان 29 يومًا، وبالتالي شهر رمضان كما يُتوقع أن يبدأ في يوم الخميس 19/2/2026 م وينتهي في 20/3/2026 م.
فمن 19 إلى 28 في الشهر الثاني 2026 م هي عشرة أيام، ومن 1 إلى 20 من الشهر الثالث عشرون يومًا، وبالتالي فإنّ شهر رمضان يساوي ثلاثين يومًا بإذن الله تعالى.
وهنا نقول: إن سارت الأمور بشكل طبيعي، فإنّ المتوقع أن يكون شهر رمضان المبارك في هذا العام ثلاثين يومًا.
وكما أسلفنا في شهري رجب وشعبان، فلما كان شهر رجب تامًا بعدد ثلاثين يومًا، فإن شعبان بالضرورة سيكون غير تام بعدد 29 يومًا، وبنفس المعادلة، عندما يكون شهر شعبان 29 يومًا، سيكون شهر رمضان بالضرورة 30 يومًا، وعلى نفس المعادلة سيكون شهر شوال غير تام، وهذه المعادلة هي التي تحدث عنها الإمام جعفر الصادق
.
هناك أحاديث متعددة وردت عن الإمام جعفر الصادق
تشير بمجملها إلى أن شهر رمضان دائمًا يأتي كاملاً، أي ثلاثين يومًا، منها ما جاء عنه عندما قيل له:
«يقولون إن رسول الله ﷺ صام 29 أكثر مما صام 30، فقال: كذبوا، ما صام رسول الله ﷺ منذ بعثه الله تعالى إلى أن قبضه الله تعالى إليه أقل من ثلاثين يومًا، ولا نقص شهر رمضان منذ خلق الله تعالى السماوات والأرض عن ثلاثين يومًا وليلة». وهذا حديث ملفت للنظر.
وبالمقارنة مع الواقع، فقد مرّ علينا - في بعض السنوات - 29 يومًا. فهل هناك إثبات لدخول الشهر أم لا؟ الله أعلم. ولكن يبدو أنّ فترة الرسول كانت معظم السنوات ثلاثين يومًا في شهر رمضان. والواقع كما يبدو أن الزيادة في مجموع السنوات تزيد يومًا واحدًا بحساب الأشهر القمرية، وأن هناك دورة قمرية تنقلب كل ثماني سنوات، وتتغير ليوم واحد في السنة التاسعة. ومن المعلوم أن رسولنا الكريم ﷺ صام تسعة رمضانات منذ فرض الصيام في شهر شعبان من السنة الثانية إلى السنة الحادية عشرة في شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، فالرسول ﷺ صام تسعة رمضانات، وهي دورة هلالية كاملة... قد يكون هذا مصداقًا لما ورد في حديث الإمام الصادق
من أن الرسول كان أغلب صيامه ثلاثين يومًا.
ذكر الدكتور إبراهيم الغامدي، المتخصص في الإحصاء الحيوي بجامعة الباحة بالمملكة العربية السعودية، أن هناك دورة ثابتة لبداية الشهور الهجرية تتكرر كل ثماني سنوات. وقال في لقائه مع جريدة الوطن السعودية إنه درس تقويم أم القرى من العام 1324 هـ إلى العام 1444 هـ، ولاحظ أن بداية الشهور تتكرر بنمط الثماني سنوات. وفي مكان آخر من هذا اللقاء قال الغامدي: إن هناك قاعدة يمكن أن تتوقع بداية شهر رمضان عندما تضيف خمسة أيام على تاريخ شهر رمضان للعام الماضي.
طبعًا هذا كلام جميل ودقيق ما ذكره الدكتور إبراهيم الغامدي في رؤيته، والحقيقة أن مثل هذه القاعدة وغيرها تكلم عنها أئمة أهل البيت «عليهم السّلام».
وعلى سبيل المثال، يخبرنا الإمام الحسن العسكري عن عدة طرق لمعرفة اليوم الأول لشهر رمضان، ومنها هذه القاعدة التي تضيف إليها خمسة أيام عما كان عليه شهر رمضان في العام الفائت. وللدقة فإننا نورد هذه الطرق التي قال بها الإمام الحسن العسكري عن كيفية معرفة دخول شهر رمضان:
«طريقة يُعلّم بها الإمام العسكري الشيعة لمعرفة هلال شهر رمضان...
قَالَ بَعْضُهُمْ: دَخَلْتُ عَلَى اَلْحَسَنِ اَلْعَسْكَرِيِّ «عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ» فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ والنَّاسُ بَيْنَ شَاكٍّ ومُتَيَقِّنٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ، قَالَ: «تُحِبُّ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا تَعْرِفُ بِهِ شَهْرَ رَمَضَانَ، لَمْ تَشُكَّ فِيهِ أَبَدًا؟».
فَقُلْتُ: بَلَى - يَا مَوْلاَيَ - مُنَّ عَلَيَّ بِذَلِكَ.
فَقَالَ: «تَعْرِفُ أَيَّ يَوْمٍ دَخَلَ اَلْمُحَرَّمُ بِهِ، فَإِنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ كُفِيتَ اَلشَّكَّ فِي هِلاَلِ رَمَضَانَ».
قُلْتُ: وكَيْفَ تُجْزِئُ مَعْرِفَةُ هِلاَلِ اَلْمُحَرَّمِ عَنْ طَلَبِ هِلاَلِ رَمَضَانَ؟
قَالَ: «إِنَّهُ يَدُلُّكَ عَلَيْهِ، فَتَسْتَغْنِي عَنْ ذَلِكَ» قُلْتُ: يَا سَيِّدِي، بَيِّنْ لِي كَيْفَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لِي: «انْظُرْ أَيُّ يَوْمٍ يَدْخُلُ اَلْمُحَرَّمُ بِهِ؛ فَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ اَلْأَحَدَ فَخُذْ واحدًا، وإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ اَلاِثْنَيْنِ فَخُذْ اثنين، وإِنْ كَانَ اَلثَّلاَثَاءَ فَخُذْ ثَلاَثَةً، وإِنْ كَانَ اَلْأَرْبِعَاءَ فَخُذْ أَرْبَعَةً، وإِنْ كَانَ اَلْخَمِيسَ فَخُذْ خَمْسَةً، وإِنْ كَانَ اَلْجُمُعَةَ فَخُذْ سِتَّةً، وإِنْ كَانَ اَلسَّبْتَ فَخُذْ سَبْعَةً. ثُمَّ اِحْفَظْ مَا يَكُونُ، وزِدْ عَلَيْهِ عَدَدَ أَئِمَّتِكَ - وهُوَ اِثْنَا عَشَرَ - ثُمَّ اِطْرَحْ مِمَّا مَعَكَ سَبْعَةً سَبْعَةً، فَمَا بَقِيَ مِمَّا لاَ يُتِمُّ سَبْعَةً، فَانْظُرْ كَمْ هُوَ؛ فَإِنْ كَانَ سَبْعَةً فَالصَّوْمُ اَلسَّبْتُ، وَ إِنْ كَانَ سِتَّةً فَالصَّوْمُ اَلْجُمُعَةُ، وَ إِنْ كَانَ خَمْسَةً فَالصَّوْمُ اَلْخَمِيسُ، وَ إِنْ كَانَ أَرْبَعَةً فَالصَّوْمُ اَلْأَرْبِعَاءُ، وَ إِنْ كَانَ ثَلاَثَةً فَالصَّوْمُ اَلثَّلاَثَاءُ، وَ إِنْ كَانَ اِثْنَيْنِ فَالصَّوْمُ اَلاِثْنَيْنِ وَ إِنْ كَانَ واحدًا فَالصَّوْمُ اَلْأَحَدُ، وَ عَلَى هَذَا فَإِنَّ حسابك تُصِبْهُ، وفَّقَكَ اَللَّهُ لِلْحَقِّ، إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى».
في هذا العام كان أول أيام شهر محرم هو يوم الجمعة 27/6/2025 م.
رقم يوم الجمعة هو «6».
إذًا نعمل هكذا: 12 + 6 = 18 ثم: 18 - 7 - 7 = 4.
«4» هو رقم يوم الأربعاء، إذًا حسب هذه القاعدة أول أيام شهر رمضان في هذا العام 1447 هـ، يكون في يوم الأربعاء، بينما الواقع هو يوم الخميس. هذه القاعدة لم تثبت صحتها في هذا العام.
اليوم الخامس من العام الماضي توافق قاعدة حساب الشهور.
وَقَالَ
: «إِذَا صُمْتَ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي فِي يَوْمٍ مَعْلُومٍ فَعُدَّ فِي الْعَامِ الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَصُمْ يَوْمَ الْخَامِسِ». «من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 123».
في السنة الماضية 1446 هـ، كان أول أيام شهر رمضان هو «يوم الأحد»، وفي هذه السنة اليوم الخامس يكون يوم الخميس. إذًا حسب هذه القاعدة أول أيام شهر رمضان في هذه السنة يكون في يوم الخميس. صَحّت.
أول أيام شهر رجب توافق قاعدة حساب الشهور:
وَقَالَ الصَّادِقُ
: «إِذَا صَحَّ هِلَالُ رَجَبٍ فَعُدَّ تِسْعَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا وَصُمْ يَوْمَ السِّتِّينَ» [من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 125].
وهذا يعني: إذا كسرت ثلاثين يومًا لشهر رجب، و 29 يومًا لشعبان، يأتيك شهر رمضان بعد مضي 59 يومًا... وهو ما حدث في هذا العام بشكل تقريبي. قاعدة معقولة.
هذه أحاديث وهناك أحاديث غيرها، من المؤكد أن الفقهاء المختصين قد ناقشوها وفحصوها، وأهملوها أو أسقطوها. فهذا ليس من تخصصي، إنما أنظر إليها نظرة متأملٍ، لا نظرة متخصص.
الخلاصة: هذه القواعد قد تفيد الفلكيين الذين يرصدون الأهلة، ولا ينبغي التعويل عليها أو التعصب لها.
تعيين بداية الشهر يكون برؤية الهلال بالبصر الاعتيادي، أو بإكمال العدة من كل شهر عربي في حال لم يُر الهلال بالبصر الاعتيادي.
كل الأرقام والدلائل تشير إلى أننا في هذا العام سنصوم شهر رمضان المبارك ثلاثين يومًا، وأن شهر شعبان سيكون تسعة وعشرين يومًا إذا لم يحدث شيء آخر، والله أعلم.

















