آخر تحديث: 18 / 2 / 2026م - 12:25 ص

تجارة الأحلام

المهندس أمير الصالح *

كل منا كان أو ما زال لديه أحلام يتمنى أو يسعى لتحقيقها. إلا أنه هناك أصناف من الأحلام حولها البعض إلى تجارة تدر أموالًا طائلة عليهم!! هل للأحلام تجارة؟ نعم، وتجارة مزدهرة بشكل لا يمكن إغفاله أو اختصار وصفها. هل للخوف تجارة؟ نعم، وهي أقوى من تجارة الأحلام والوهم. هل للهروب من القلق تجارة؟ نعم، وهي تجارة آخذة بالتمدد!!!!! لن أخوض بالتفاصيل، ولكن سنتحاور ببعض الأمثلة. والنتيجة المرجوة هي ضبط الإيقاع النفسي من الداخل لمنع استغلال المستغلين للإنسان نتيجة حب تحقيق الأحلام أو الهروب من الخوف أو إنشاد راحة البال بشكل مغلوط.

حوار

قال أحدهم لآخر: هل تود أن تحصل على مال؟

فرد: نعم.

فقال الأول: إذا كنت تريد مالًا فبع أحلامًا.

فإن عالم اليوم يبيع حلمًا مغلفًا بمنتج أو وعود موهمة…

• فيباع حلم الجمال للنساء الباحثات عنه

• ويباع حلم الثراء للرجال المستورين

• ويباع حلم الشهرة للمراهقين الفقراء

• ويباع حلم الصحة للمرضى المزمنين

• ويباع حلم العافية لكبار السن المعمرين

• ويباع حلم التنحيف للسمناء والسمينات الكسالى

• ويباع حلم السعادة للتعساء المحبطين

• ويباع حلم الرجولة للجبناء والمهرجين، ويباع حلم الفحولة لمرضى البروستات

• ويباع حلم العيشة الكريمة عبر الهجرة لمناطق أخرى

أضحى سوق بعض السلع لا يعمل بلغة العقل، بل يتحرك بالرغبة والتمني والأحلام واستثارة ذلك كله من قبل محترفي مداعبة أهل الأحلام من البؤساء والفقراء والمرضى.

فأغلب الناس أخذت تشتري أملًا وليس منتجًا.

حتما هناك من فهم ووظف هذا السلوك الاستهلاكي للباحثين عن الثراء والصحة والقوة والشهرة والجمال والفحولة، فكسبوا ملايين الدولارات. وكذلك هناك مجاميع تجارية وظفت وتوظف الإشاعات والخوف والتفكك في المناطق الساخنة لجني أرباح مالية طائلة وفق آليات متنوعة. كما أن الحروب تشعل مؤشر أسهم شركات صُنّاع الذخائر والأسلحة؛ وكما أن الاضطرابات في دول ما تشعل سوق الهجرة لمناطق معينة، كذلك هي الأحلام وصناعة الوهم تشعل الترويج لسلع وخدمات تجارية متنوعة.

الثقة

الثقة سلعة ثمينة، إلا أن البعض، ومع شديد الأسف، يصرفها ويبذلها لكل شخص دون تقييم لتبعات ذلك. تذبذب الوفاء لأهل الثقة قد يهبط وقد يصعد طبقًا لتاريخ الأشخاص الذين نتعامل معهم. إلا أن الحكمة، ومع تزايد مستوى التفريط بالثقة، تستوجب على الإنسان ألا يعطي ثقته لأي شخص مهما تملق أو أجاد فنون التسويق أو أسال اللعاب في مردود الاستثمار؛ لأنه مجرد أن يستحصل أموالك / ثقتك / شهادتك سيهرب ويتهرب منك أو يدينك ويدبسك بأمور قد تهدر صحتك ومالك ونفسيتك وعمرك دون أي مبالاة منه.

مقترح لتأليف كتاب لأحداث موثقة

في مجتمعنا كما المجتمعات الخليجية والعالمية الأخرى، وقع عدد ليس بالقليل من الناس في فخاخ وشِراك بائعي وهم صنع الثراء تحت يافطات وشعارات الاستثمارات العقارية والتجارية المختلفة. والفكرة المعمول بها بسيطة ولكنها متكررة؛ وهي أن ينشئ أحدهم شركة تلامس توجهًا عامًا ما «عقار، تطوير عقار، بناء مستشفى، مراكز تعليمية،… إلخ» وتطلق حملات دغدغة مشاعر الجمهور بأن العائد الاستثماري مجدٍ وسريع وكبير. وبعد طرح حملات تسويقية وشراء حناجر وذمم وإعداد أوراق من مكاتب اقتصادية أو شبه اقتصادية، يتدافع عدد ليس بالقليل من الناس في التهافت للاكتتاب المغلق لمرحلة التأسيس. وبعد رد قبول البعض عمدًا، يشتعل الطلب الوهمي على الاكتتاب في ذات الشركة ويروج لها، من دون قصد، ممن كان يطمح للمشاركة في مرحلة التأسيس. تؤخذ مبالغ من الناس وتطلق إعلانات عن النية في إبرام صفقات وإطلاق مشاريع. وبعد ذلك يتم اللعب بعامل الوقت، ومع تقادم السنين تنكشف الغبرة وتضمحل الأموال، وقد يعلن الإفلاس للشركة أو اختفاء أو هروب مؤسسيها. شخصيًا مررت بتجارب عدة، ومنها في دول عربية مجاورة وداخل أرض الوطن.

تشاؤم أم تفاؤل

حتما نتفاءل ونطلب من الجميع التفاؤل، ولكن بوعي ونصح وعقلنة. فلا يستبعد بأن من يروج للتفاؤل المفرط هو شريك في جريمة دفن جرائم الغش والسرقة. دراسة كل تجربة استثمارية تجارية وتحليل أسباب نجاحها أو فشلها أمر مهم، والكل من المهتمين طرف أساسي فيه. فالتجارب الناجحة تعزز، والتجارب الفاشلة تصنف ويشار بالبنان لقادتها لتجنب تكرار السيناريو.

”أنا أفكر إذًا أنا موجود“ مقولة مشهورة تنسب لديكارت؛ والواقع الحالي يقول ”أنا رقمي إذًا أنا موجود“ كما أطلقها الكاتب حسام عبد القادر مقبل.

رمضان والتجارة مع الله

شهر رمضان المبارك حيث العبادة وتربية الروح والوعود بالمكافآت السخية والهدايا الإلهية الجزيلة نعم من نعم الله على عباده. والعاقل يميز بين وعود الله الصادقة ووعود بعض البشر الكاذبة والمضللة والمهلكة. فالبخس والعاقل من استثمر وقته في شهر رمضان وغير رمضان بالتجارة مع الله، وليس السعي خلف أسراب أحلام مضللة.