آخر تحديث: 16 / 2 / 2026م - 10:38 م

ما قبل القدوم المبارك «2»

ما هي أحوال الناس بالنسبة لنظرتهم للصوم في شهر رمضان وحقيقته وكيفية أدائه؟

هناك من يرى بسطحية صوم شهر رمضان في أدنى معانيه وصوره المتعلّقة بشهوة الأكل والشرب، يبرمج نفسه على شكل غذائي تتأجّل فيه وجبات الطعام فتتحوّل إلى طعام الإفطار والسحور، بل ويحاول أن يعادل الكميات بما يتناسب مع نهمه وغرائزه حتى تتحوّل صبغة ولون الشهر الكريم بمائدة غذائية، وقد يضفي على الشهر الكريم ما يسلب منه صورته الروحية والإيمانية فينشغل بمختلف البرامج المتنوعة دون تقسيم وقته وإظهار الاهتمام بالجانب العبادي والأخلاقي والمعرفي والاجتماعي، فيصبغه بالتلهّي وقضاء الأوقات المتطاولة في التنقّل بين مقاطع وسائل التواصل الاجتماعي، دون أن يدرك الهدف الأسمى من صيام الشهر الكريم بالسعي إلى تحقيق واكتساب صفة التقوى والمناعة النفسية أمام المغريات وطرق الخطايا، فالقرآن الكريم حين شرّع الصيام لم يقدّمه بوصفه تجربة جسدية بل جعله مشروعا تربويا عميقا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة الآية 183].

فلعلّكم تتقون ليست عبارة أو غاية هامشية بل هي جوهر التشريع وغايته، ويستحق الأمر البحث عن السبل الموصلة إليها وتلك العوامل المانعة من تحققها، والتقوى ليست امتناعا عن المفطرات بالمعنى الفقهي الضيق دون مؤازرة عقلية ووجدانية تدعم فكرة الورع عن محارم الله تعالى واليقظة من الوقوع في حفر المكر والتزيين الشيطاني، فالتقوى حضور دائم لله تعالى في القلب وهذا هو الذكر الحقيقي، حيث يرى في أي فكرة أو تصرف خطوة يقدم عليها أو يتراجع عنها بحسب معيار الرضا الإلهي، وهكذا يتحوّل الشهر الكريم إلى مدرسة تربوية وقيمية تبني معالم شخصيته الإيمانية والتكاملية، والتقوى المرادة في الصوم مراقبة للنفس في السر والعلن، وهذا ما ينشئ المصداقية والصدق والصراحة وتحمل المسئولية في شخصية الإنسان، بعيدا عن المراءاة أو الخوف على مكانته بين الناس ونظرتهم إليه عند ارتكاب الخطيئة، وهي إحساس رفيع بالمسؤولية أمام الله تعالى والناس والآخرة والعمل الجاد.

يختزل الصوم في الامتناع عن الطعام والشراب ويختصر العبادة في طقوس مكرورة تؤدّى بحكم العادة الاجتماعيّة أو الإرث الثقافي، في هذا المستوى يصبح شهر رمضان موسما سنويا للانضباط الظاهري دون أن يترك أثرا عميقا في البنية الروحية للإنسان، إنه التزام شكلي قد يحفظ الحد الأدنى من الامتثال لكنه لا يبلغ أفق تزكية النفس، أما التعامل الواعي مع شهر رمضان فهو انتقال من السلوك الظاهري إلى المعنى الباطني، ومن أداء العبادة إلى إدراك فلسفتها، فالصوم - في وعيه العميق - ليس جوعا مقصودا لذاته بل هو تدريب على التحرّر من سطوة الشهوة، واستعادة سيادة الروح على البدن، إنه مدرسة لإعادة ترتيب الأولويات حيث يتقدّم البعد الأخلاقي على النزعة الاستهلاكيّة، ويتجلّى الفرد في أسمى مراتب حضوره الإنساني وأرقى الدرجات التكاملية.