آخر تحديث: 16 / 2 / 2026م - 12:29 ص

من عبق الماضي: رمضان القطيف بين العبادة والتكافل الاجتماعي

حسن محمد آل ناصر *

حين كان رمضان يقترب قديمًا من القطيف، لم يكن الناس ينتظرون إعلان الهلال فقط، بل كانوا يشعرون به قبل ظهوره. أتذكر كيف كان أبي يأخذنا معه إلى البر القريب من بلدة القديح قبيل الغروب. نقف هناك نحدق في السماء مترقبين لحظة ظهور الهلال. كانت تلك اللحظات مزيجًا من الشوق والدهشة، نراقب الأفق بصمت طفولي، وكأن السماء تخبئ لنا بشارة خاصة. وإذا لم يتبين الهلال، كان أبي يصعد إلى سطح البيت مع حلول المساء يعاود النظر بعين ملؤها الرجاء.

كان انتظار شهر رمضان آنذاك طقسًا جميلًا بحد ذاته، لا يقل جمالًا عن أيامه ولياليه. أجل، انتظارٌ تصنعه القلوب قبل أن تعلنه الرؤية، وتبقى ذكراه واحدة من أدفأ صور الطفولة وأجمل ما حفته الذاكرة. في هدوء الأسواق، وفي انشغال الأمهات بترتيب البيوت، وفي تلك الطمأنينة التي تسري بين الناس كأنها وعد بعودة زمن أكثر صفاء، كان الشهر يدخل القلوب قبل أن يدخل التقويم، وتتهيأ الأرواح، وتتهيأ البيوت لاستقبال ضيف كريم.

لم تكن تلك الأيام إيقاعًا سريعًا كما نعرفه اليوم، لكنه زمنًا ممتدًا تتسع فيه اللحظات. وكانت الأسرة تجتمع حول تفاصيل بسيطة لكنها عميقة الأثر: حديث طويل بعد العصر، أو انتظار صامت يسبق الأذان، أو عيون الأطفال التي تراقب الشمس وهي تميل نحو الأصيل، وكأنها تشاركهم العد التنازلي للفرح.

وبعد المغرب، كانت الأزقة تستيقظ على نحو خاص؛ رائحة الشواء تملأ المكان، وباعة الأوصال والكباب يقفون على أطراف الطرقات، حيث تحيط بهم حركة الناس ولهفة الصائمين. لم تكن تلك مجرد تجارة، لكنها كانت طقسًا يوميًا يعلن أن لحظة اللقاء قد اقتربت. ويحمل الأب ما اشتراه، بينما يسرع الأطفال إلى البيوت حاملين الصحون المتبادلة بين الجيران. أجل، طبق يخرج وآخر يعود في شبكة محبة لا تُرى لكنها تشعر الجميع أنهم أسرة واحدة.

وعند الأذان يسود صمت قصير يشبه السكينة، وتتكون صورة تجمع الأيدي حول المائدة، ويبدأ الإفطار بتمر وماء ودعاء خافت. ثم تنفتح الأحاديث كأن الصيام أعاد ترتيب القلوب قبل الأجساد. لم تكن الموائد فاخرة بقدر ما كانت دافئة: «الهريس، الثريد، اللقيمات، أطباق الأرز، الشوربة، الخبيص، العصيدة»، والأكلات التي تفوح منها البيوت القديمة، كلها تحمل طعم المشاركة أكثر من طعم الطعام نفسه.

بعد الإفطار، كانت القطيف تستعيد حياتها بهدوء جميل، لكن الليل لم يكن اجتماعيًا فقط، بل روحانيًا بامتياز. فمن بعد صلاة المغرب والعشاء، كانت الحسينيات والمساجد والمجالس تمتلئ بالناس، وتصدح بتلاوة القرآن الكريم، فتتعالى الأصوات المرتلة بالذكر الحكيم من كل حي. ويمتد صوت القراءة من بعد الإفطار حتى ما قبل السحور، فيتحول الليل إلى ساحة عبادة جماعية: قارئ يتلو، وآخرون ينصتون بخشوع، وبعضهم يختم أجزاءه اليومية في حلقات قرآنية اعتادها الناس عامًا بعد عام.

كانت تلك التلاوات تمنح الأحياء سكينة خاصة؛ فبين مجلس وآخر تسمع آيات القرآن يتردد صداها في الأزقة، وتختلط بنسيم الليل ورائحة القهوة، وكأن المدينة كلها تعيش في حضرة النص المقدس. ولم تكن القراءة فردية فقط، لكنها كانت فعلًا اجتماعيًا يربط الناس بالقرآن ويربطهم ببعضهم. وقبل الفجر بقليل يعلو صوت المسحر، ذلك الصوت الذي كان جزءًا من روح المكان، حينما يسير بين البيوت مناديًا فيوقظ النائمين، ويوقظ مع ذاكرة الجماعة. وكانت كلماته مألوفة حتى إن الناس يستيقظون قبل أن يكمل ندائه، وكأن العلاقة بينه وبين الحي علاقة عائلة لا وظيفة.

أما السحور، فكان بسيطًا لكنه مليء بالبركة: طبق من الأرز يرافقه السمك أو اللحم أو الدجاج، مع تمر ولبن وخبز وأحاديث هادئة تحت ضوء طفيف على الفانوس أو السراج أو مصباح كهربائي خافت، تتخللها أدعية الفجر الأولى، ولحظة سكون يشعر فيها الإنسان بقرب خاص من نفسه ومن الله قبل أن يبدأ يومًا جديدًا من الصبر.

وفي العشرة الأواخر تتغير ملامح الليل، وتمتلئ القلوب بخشوع أعمق، وتكتسب المجالس طابعًا أكثر حزنًا، وخاصة في ليلة استشهاد الإمام علي ، حيث كانت المآتم تشغل الجميع، وتتعالى اللطميات القديمة التي توارثتها الأجيال، وتُردد بنغمة يعرفها الجميع دون تعليم. واللطم لم يكن مجرد أداء، لكنه كان تعبيرًا صادقًا عن ارتباط وجداني عميق، حيث تمتزج الدموع بالدعاء، ويشعر الناس أنهم يعيشون لحظة مشتركة تتجاوز الزمن. وليلة القدر كانت خشوعًا وسكينة، يتجمع فيها الأهالي في المساجد والحسينيات لتلاوة القرآن والذكر وأعمال القدر، التي تملأ أصوات التلاوة، فتشعر القطيف كلها بروح الجماعة والصفاء الروحي.

لقد كان رمضان في القطيف شهرًا تصغر فيه المسافات بين البيوت، وتكبر فيه المسافات بين الإنسان وهمومه. ولم تكن الحياة أسهل، لكنها كانت أكثر قربًا، ولم تكن الإمكانيات كثيرة، لكن القلوب كانت أوسع. فاليوم، حين نستعيد تلك الصور، ندرك أن جمال رمضان القديم لم يكن في مظاهره، بل في روحه. نعم، روح الأسرة كقلب واحد ينبض بالإيمان والذكريات. رمضان الماضي عبق لم يمض تمامًا، لكنه بقي يسكن الحكايات، ويعود كل عام بالحنين. نسأل الله أن يعيده علينا وعليكم بالخير والبركة، وأن يتقبل صيامنا وقيامنا، وكل عام وأنتم بخير.