وسائل التواصل.. البناء أو الهدم
تحوّلت وسائل الإعلام الاجتماعية من مجرد أدوات للتواصل والترفيه، إلى أكثر الوسائل تأثيرًا في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه السلوك الاجتماعي والسياسي والثقافي للأفراد وللمجتمعات.
فقد أصبحت هذه المنصات ساحات مفتوحة للنقاش، ومصادر رئيسية للأخبار، ووسائل فعالة لصناعة الرأي العام، ما جعل أثرها الاجتماعي متعدد الأبعاد؛ فهي تلعب الآن دورًا محوريًا في تقريب المسافات بين الناس، وتسهيل تبادل الأفكار، وكسر احتكار المعلومة، وإتاحة الفرصة للتعبير دون وساطة مؤسسات تقليدية. وأسهمت هذه الوسائل في تعزيز التضامن الاجتماعي في أوقات الأزمات، وساهمت في نشر المعرفة والوعي بالقضايا العامة، وأصبحت كذلك في بعض المجتمعات خيارًا مؤثرًا في إيصال الصوت الشعبي، وكشف الانتهاكات، ومراقبة الأداء العام، ليكون للمواطن العادي دورًا جديدًا في المشهد العام. ولعل من أبرز الجوانب الإيجابية لوسائل الإعلام الاجتماعية قدرتها المهولة على نشر الثقافة الرقمية، وتعزيز التعليم المفتوح، وتوفير منصات للتعلم الذاتي، والتدريب عن بعد. وساهمت في توسيع دائرة الحوار، والتعرف على ثقافات مختلفة، ووفرت فرصًا اقتصادية جديدة عبر التسوق الرقمي، والعمل الحر، وساعدت في تمكين فئات كانت مهمشة في إيصال أصواتها وبناء مشاريعها الخاصة.
في المقابل، أفرز الاستخدام غير المنضبط لهذه الوسائل آثارًا سلبية واضحة، أبرزها تفكك العلاقات الاجتماعية المباشرة، وتراجع الحوار الواقعي لصالح التفاعل الافتراضي، إضافة إلى انتشار خطاب الكراهية، والشائعات، والمعلومات المضللة.
ولا يمكن تجاهل دورها في تأجيج الصراعات الاجتماعية والسياسية حين تستخدم للتحريض بدل التنوير. ومع هذا كله، فإن الاستفادة الحقيقية من وسائل الإعلام الاجتماعية تبدأ بإعادة تعريف وظيفتها من كونها وسائل لهو وترفيه إلى منصات وعي وبناء، وقد أثبتت التجربة العالمية أن وسائل الإعلام الاجتماعية يمكن أن تكون أداة بناء أو أداة هدم بحسب طريقة توظيفها. ففي الولايات المتحدة بدأت حملة ”مي تو“ «MeToo» التي هدفت لفضح الاعتداء والتحرش الجنسي، خاصة في أماكن العمل. بدأت كهاشتاق شجع الناجيات على مشاركة تجاربهن، وتطورت لتصبح ثورة ثقافية ضد العنف القائم على النوع الاجتماعي، ومحاسبة الجناة، وتغيير السياسات العالمية، وأجبرت مؤسسات كبرى على مراجعة سلوكها ومحاسبة رموزها. ووظفت دول عديدة هذه الوسائل خلال جائحة كورونا لإنقاذ التعليم من التوقف الكامل عبر الفصول الرقمية المفتوحة.
وعلى المستوى الاجتماعي النفسي، قدم ما عُرف بتحدي ”الحوت الأزرق“ نموذجًا مأساويًا لسوء استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية، حين استُدرج مراهقين في دول عدة عبر منصات التواصل إلى سلسلة من التحديات النفسية القاسية، انتهت في بعض الحالات بإيذاء النفس والانتحار، في مشهد كشف خطورة ترك الفضاء الافتراضي دون توجيه تربوي ونفسي. لذا يمكن الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي في بناء وتوعية المجتمع من خلال عدة طرق. نشر المعلومات التي يمكن استخدامها لنشر الوعي حول قضايا معينة، مثل الصحة العامة، والحماية من الكوارث، أو حقوق الإنسان، والتفاعل والمشاركة؛ حيث تسمح وسائل التواصل الاجتماعي للمستخدمين بالتفاعل مع المحتوى وطرح الأسئلة، مما يعزز الحوار والنقاش. إضافة إلى دعم المبادرات المحلية التي يمكن استخدامها للترويج للمبادرات والفعاليات المحلية التي تهدف إلى تحسين المجتمع. والتعليم والتدريب، الذي من خلاله يمكن تقديم ورش عمل ودورات عبر الإنترنت لمساعدة الأفراد في تطوير مهاراتهم. وتوعية الشباب في معرفة قضايا اجتماعية مثل التنمر، والإدمان، والبيئة، مما يساعد على بناء جيل واع ومسؤول. وتتيح وسائل التواصل تشكيل مجتمعات افتراضية لذوي الاهتمامات المشتركة، لتشكيل مجموعات ومنتديات لتعزيز التعاون والتبادل المعرفي.
إن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل إيجابي ومدروس يمكنها أن تكون أداة فعالة في تعزيز الوعي والمشاركة المجتمعية. وهما خياران؛ فإما أن تبقى هذه الوسائط محصورة في دائرة الترفيه والاستهلاك السريع، أو تتحول إلى أدوات وعي وبناء وتغيير إيجابي. والاختيار هنا مسؤولية مشتركة بين الفرد، والمؤسسات التعليمية، والنخب الثقافية، والإعلامية.
















