ثلاثون يوما من النور... حين يتغير كل شيء
له طعم ولون ورائحة؛ مقيد بالوقت، لكنه لا محدود في عطائه. واسع المفهوم والإدراك، عظيم الهدف، له بصمات وآثار تلتصق بالخواطر والأذهان. هو شهر مختلف عن بقية الأشهر في بلادنا، وفي كثير من بلدان العالم العربي والإسلامي.
ثلاثون أو تسع وعشرون يومًا فقط، لكنه يحدث فارقًا كبيرًا في الممارسات اليومية والأنشطة والبرامج. تختلف معه حتى أنوار الشوارع ورائحتها، وسلوك المارة فيها، ومن في البيوت والأعمال والمدارس. الكل يزيّن الوقت بهدوئه، والجميع يترقب دخوله، فيدخل الناس في حرم الله بامتثال أمره؛ فقد قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
وقال سبحانه في خصوصية هذا الشهر:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185].
فيصوم الناس عن الطعام والشراب، وتصوم معهم جوارحهم وجوانحهم أيضًا، فلا يتلفظون بألفاظ نابية كما كان قد يحدث في أيام قليلة مضت، ويتذكرون جملة: «اللهم إني صائم»؛ تلك الجملة التي تكون بمثابة القفل على كل ما لا تريد له أن يفلت منك ويخرج. كم لها من آثار إيجابية في تهذيب النفس عن الخوض في التفاهات، أو الانزلاق في الشبهات والمحرمات.
وقد عبّر الشعراء عن هذا المعنى الروحي في الصيام؛ فقال أحمد شوقي في معنى التزكية والسمو:
رمضانُ ولّى هاتها يا ساقي
مشتاقةٌ تسعى إلى مشتاقِ
وقال معروف الرصافي متأملًا في أثره الأخلاقي:
شهرُ الصيامِ به تَسْمو النفوسُ إلى
مراتبِ الخيرِ والإحسانِ والكرمِ
بل إن الصيام لم يكن قيمة دينية فحسب، بل فكرة إنسانية احتفى بها الفلاسفة؛ فقد رأى ابن سينا أن الاعتدال في الطعام والصوم يورث صفاء الذهن وقوة الإدراك، وعدّه ضربًا من تهذيب البدن والنفس معًا. وأشار أفلاطون في فلسفته إلى أثر تقليل الشهوات في ترقية الروح وسموّها نحو الحكمة، وهو معنى يلتقي مع جوهر الصيام في كونه تدريبًا على السيطرة والارتقاء.
ويطهّر الجميع الأجواء بعبق تلاوة القرآن الكريم؛ فكم من ختمة تحصل، وكم من ثواب يصعد إلى السماء فيُخزَّن في صحيفة الأعمال أجرًا ومغفرة. ولك أن تتخيل كم هي الألطاف الإلهية التي تحيط بالناس جرّاء استمرار قراءة القرآن ليلًا ونهارًا في أغلب البيوت إن لم تكن كلها، وكأن هالة من رحمة وسكينة تحيط بهم وتحفظهم من كل مكروه.
وفي هذا الشهر الكريم تتبدل قوائم الطعام، فتصبح أكثر حنانًا ورأفة، إذ تجتمع لأجلها العائلات، وتحرص على اللمة والتواجد مع بعضها، ملمةً شتات الأيام في الأشهر الماضية. وفي رمضان يحدّ الناس طواعيةً من ذواتهم، ويحبون التجمع حول الموائد؛ أفراد الأسرة الواحدة، أو مع العائلة، أو بين الأصدقاء والأحباب والزملاء. حتى الشركات تقيم يوم إفطار جماعي لموظفيها، وكأنها تلتقط أنفاسها من وتيرة العمل المستمر، فتتقارب القلوب ويزداد العطاء.
وحتى الشوارع تأخذ نصيبها من التغير؛ تُنصب الخيام لتجمع من ليس له عائلة، فتكون الخيمة بيتًا، والناس أهلًا. وتتزين الشوارع بالأنوار كأنه عرس مستمر ثلاثين ليلة، لا تنطفئ أنواره بل تزداد لمعانًا. وتفوح روائح المأكولات الشعبية؛ كالسمبوسة، واللقيمات، والهريس، وغيرها، فتكتمل لوحة الشهر حسًّا ومعنى.
إنه شهر مختلف، يتغير فيه كل شيء. ولأنها عادات، وتقاليد، ولمسات دينية، ومواثيق إيمانية، فإن المجتمعات المتدينة هي الأكثر شعورًا بعمق هذا التحول وجماله؛ فهو عبادة تُزكّي النفس، وفلسفة تُهذّب الشهوة، وشعر يُنشد الصفاء، وكتاب يُتلى فتطمئن به القلوب:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
















