بين القليل واللاشيء
أظنّ أنَّ بين القليل واللاشيء مساحةً يصنع فيها الإنسان أثره. هكذا يُنسب إلى غاندي قوله: «كُن أنت التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم». ومغزى ذلك باختصار أنّك، وقبل أن تجلس في مجلسٍ وتضع رجلًا على أخرى وتقول: المفروض أن يعمل فلان كذا وعلان كذا، أن تقول لنفسك: المفروض أن أعمل أنا هكذا وهكذا. أي أن يتحوّل تفكير المرء من انتظار فعل الآخرين إلى مساءلة نفسه عمّا يستطيع ويجب عليه فعله. ثم هل ينبغي أن نتوقف عن نصح غيرنا؟ الجواب: لا، ولكن البداية تكون بإصلاح النفس. ولمَ ذلك؟ لأن الإنسان لو وزن نفسه بميزان الصدق، وسعى جاهدًا ليكون كما ينبغي، لأمكنه أن يغيّر شيئًا من وجه هذه الدنيا؛ فالعدم لا يصنع أثرًا، أمّا القليل فيترك بصمةً وإن صغرت.
هناك مقولة جميلة مجهولة المصدر تقول: «لو أن كلَّ امرئٍ كنس أمام بابه، لأصبح العالم كلّه نظيفًا». وهذه الفكرة تختصر حقيقة أن كل فعل خير - وإن صغر - يشارك في إصلاح العالم. ومع ذلك، يظن بعض الناس أن فساد العالم أكبر من قدرة الأفراد على تغييره، فيستسلمون ويخفّف ذلك من حرصهم على النظام والقيم، ما دام الإصلاح - في ظنّهم - متعذّرًا. مثال ذلك: ساحة شديدة الاتّساخ، وفي يدك علبة فارغة. أمامك خياران: أن ترميها في برميل النفايات، أو تضيفها إلى الساحة. قد يبدو الفرق ضئيلًا، لكن هذه الأوساخ ليست إلا حصيلة أفعال بشرٍ رأى كلٌّ منهم أن فعلته لن تغيّر شيئًا. تقليلها مسؤوليتنا نحن. ومساهمة كلّ شخص من موقعه في احترام النظام تحسّن الصورة العامة، ولو قليلًا؛ فالسيول تبدأ من القطرات.
ورد في الأثر: «لا تستحِ من إعطاء القليل، فالحرمان أقلّ منه». وهذه القاعدة لا تختصّ بالمال وحده، بل تشمل كل فعل صالح؛ فالأثر - بداهةً - خير من العدم. ومن هنا يتبيّن أن إصلاح العالم ليس شأن القادة وحدهم، بل مشروع يبدأ من الإنسان نفسه. وكل إنسان مدعوّ لأن يكون جزءًا من هذا الإصلاح. فالعالم الذي نشكو فساده قد يكون في جزء منه نتيجة ما نتغافل نحن عن إصلاحه، لظنّنا أنّنا غير مسؤولين.
















