آخر تحديث: 13 / 2 / 2026م - 1:37 ص

في ديوانِ «عِطر الشَّجرة الوحِيدة» للشاعر أحمد الرويعي

التكثيفُ والترميزُ والبحث عن هوية

محمد الحميدي مجلة اليمامة

يشتبكُ الإنسان معَ ”الوجود“، فيصحُو على صوتِه الداخلي، صوتِه الخاص الذي لا يُشبه الأصوات الأُخرى، صوتٍ يبحث عن هُويِّة وكينُونة، تعطيه معنًى وتمهِّد طريقه وطريقتهُ في الحياة، حتى يكون لوجودهِ هدف ولأنفاسهِ دلالة، هذا هو إنسانُ العصر الحديث، إنسانُ الذكاء الاصطناعي والروبوتِ والآلة الرقميَّة العملاقة، التي تهبُّ من الشرقِ والغرب، بينما يستمرُّ وحيداً، فارغاً، خائفاً.

ثمَّة تفاصيل صغيرةٌ لا تُرى ولا تتَّضح لأحد سِواه، هي ما تحرِّكه وتعطي لوجودِه معنًى وبسببها يمتلكُ نكهته ودلالتَه، إذ لكلِّ إنسان نكهةٌ متفرِّدة، عليه البحثُ وإيجادُها، في خضمِّ التشابك الهائلِ وإلغاء الفرديَّة والخصوصيَّة، حيثُ العالم باتَ ”شجرة“ ضخمَة، أغصانُها مُتشابِكة وأوراقها تظلِّل البشرية.

ما يبدو ظاهراً يختلف عما يحدثُ في الخفاء، فالإنسانُ وحده يستطيعُ تحديد مساراته وطريقةِ حياته وأسلوبِ عيشه وكيفيَّة اختيار أولوياتِه، وصولاً إلى ”هوِيَّة“ تليق به ويختصُّ بها؛ كي ينفردَ عن الجماعة الإنسانيَّة وانفتاحها على بعضِها، إذ الأَولى والأهم هو الوصولُ إلى تحديدٍ للذات وطريقةٍ لممارسة الحيَاة، وهذا ما يبوحُ به ديوانُ ”عِطر الشَّجرة الوحِيدة“ للشاعرِ أحمد الرُّويعي.

يمارسُ الشاعر تجريبَ القصيدة مِثلما يمارس تجريبَ الحياة، فلا يكتفِي بالسائد والمألُوف، وإنما يتَّجه إلى توظيفِ إمكاناتِ اللغة بعيداً عن التكرارِ والتعقيد، معتمداً على ”التكثيفِ اللغوي والترميزِ الدلالي“، حيثُ الهدف تكوينُ المعنى وكشفُ الحقيقة، وهو ما صرَّح به في الإهداء:

"إلى بيتنا القدِيم
أتباعدُ عنهُ
فتكبرُ صورتي في الجِدار
إلى كلِّ المرايا
التي انطفأَت
ونسيتُنِي داخلها"

القصيدةُ انخطاف، ومضَة، لمحَة، مشهدٌ سينمائي، يعطِيك المعنى ولا يجعلُك تمسك بتفاصيله، حيث التشابُك الوجودي مذهلٌ لدرجة الاختِنَاق؛ لهذا سيعتمد كليًّا على إيصالِ المعنى عبر رموزٍ قادرة على العبورِ إلى ”الذهن“ والاستقرارِ في ”الذاكرة“، ومن هنا يبتدئُ التكثيف والترمِيز ”أُصغي لصوت التجذُّر“:

"كلُّ الوجوهِ تحدِّق فيَّ..
لقد أفزعُوني بهذي الكثَافةِ
إذ فاجَأوني بفكرة أن أتنفَّس هذا الهواءَ
وفكرةَ أن ألبسَ الخوف
كي لا أُرى عارياً
فاجَأوني بصوتيَ
لمَّا صرختُ.."

اعتمدَ التكثيف على ”الحذفِ والمفاجأة“، فالحذفُ وقع في بدايةِ المقطع ونهايته، حيثُ النقط الثلاثُ تمنح المتلقي امتداداً في استدعاءِ الأحداث والبناءِ عليها، أما المفاجأةُ فوقعت بينَ العبارات، عبر استخدامِ ألفاظ تستدعِي التوقُّف والانتِظَار ”تحدِّق - أفزعُوني - فاجَأوني“.

ثمَّة طريقة أُخرى استخدمها تمثَّلت في ”التجمِيع والمفارقة“، حيثُ يجمع الصِّفات ويعدِّدها، مازجاً بين المتجانِس وغير المتجانِس؛ ما يؤدِّي إلى تكثيفٍ يستدعي التأمُّل والانتظار، ومحاولة التفريقِ والفرز ”قضاةُ الجزيرة“:

"هُم أصدقائي،
أبطالُ ”كافكا“
يعيشونَ كابوسَهم
إن أرادوا البكاءَ،
استغابوا الظِّلال
ومالوا إلى اللهوِ"

ممارسةُ التكثيف اللغوي تسيرُ مع الترميزِ العالي للدلالة، فالأفكارُ حينما تتشابكُ لا يتسع لها اللفظُ ولا تحتويها العِبَارة؛ لذا يظل غارقاً في عالمها وغيرَ قادر على الخرُوج، إلا عبر استعمالِ الرمز والإشارةِ والقطع مع المعَاني السابقة؛ من أجلِ ”اختراع“ معنًى جديد ودلالةٍ غير مسبُوقة ”الركضُ في أراضٍ صمغيَّة“:

"أفقتُ! ثمَّ مرايا، تأكلُ القمرَا
”مُهرٌ“ بعينين من ياقوتَ قد عبرَا"

يتحوَّل ”المهرُ“ إلى كائن أسطُوري لا يمكن الإمساكُ بمعناه، فالدلالة السابقةُ تنتهي ويبدأُ فصل من الترميزِ العالي:

"جاز الضبابَ..
ولم يترُك لهُ أثرَا
أغمضتُ.. ثُمَّ بدَا
فتَّحتُ.. فاستترَا"

هذا الكائنُ الأسطوري الخارجُ عن جميع القوانينِ الاعتيادية يمارسُ فعل الاشتباكِ مع الوجود، وجودِ الذات ووجودِ العالم؛ ليغدو مؤثِّراً، ومع التشابُك يحضر التكثِيف اللغوي لإعطائِه سرعةً في الانتقالِ بين الدلالات:

"أفقتُ!
كم مرَّةٍ أفقتُ؟
أين أنا؟
من هؤلاءِ؟
منِ المُلقَى؟
منِ انتصرَا؟"

ليأتي بعدَها دور المُهر؛ كي يعيدَ تشكيل الدلالةِ ويمنحها أبعاداً غير مسبُوقة، إذ يتشابكُ الخيالي بالواقِعي والنفسي بالجسَدِي، إلى أن يصلَ بالذات إلى حالةِ الحقيقة المتمثِّلة بالوعِي وال ”يقظة“ لما يدُور:

"دنا
كطيفٍ بُخاري
وكانَ يرى ما خلفهُ منهُ
إن أمسكتهُ.. انحسرَا
ما الواقعيُّ من اللاواقعيِّ..
وهل أُفيق؟
أم يقظةُ ”الناسوتِ“ محضُ كرَى"

معَ الاستيقاظ وبلوغِ حالة الوعي والحقيقةِ تكتشف الذاتُ ذاتها وترى عَالمها بصورته المجرَّدة، فتصرخ طلباً للنجاة مما ينتظرُها، ولا تجد منقذاً إلا المُهر:

”صرختُ:“ يا مهرُ! خلِّصنِي.."

فقال: "أنا.. أنا قرارُك

كُن قوساً أكُن وترَا"

انكشفت الحقيقةُ أمام الذات، فالمهرُ ليس كائناً أسطوريًّا فحسب، بل ”وعيٌ“ مختبئٌ داخل الذات، تستدعِيه حينما يُضيِّق عليها الخِنَاق، وتجد نفسها في مهبِّ الحياة:

”أصرَّ.. صاحَ:“ التفِت..

ليسَ العراءَ هوَ العراءُ

بل جنَّة تزهو لمن نظرَا"

المهرُ أوصل الذاتَ إلى الحقيقة وكشفَ لها عن وعيها، وهو ما مهَّد السبيل أمامَها لترى الوجود بعينٍ مختلفة، عينٍ ليست كأعينِ الباقين من البَشر، لتنتهي باستعادةِ ”ثوب الهوية“، والتخلُّص من ”الضياع“ والتشظِّي، وهنا تكونُ الدلالة قد أكملَت رحلتها، وانتقلَت من المباشرةِ والوضوح إلى معنًى أعمق وأشدَّ تشابُكاً والتصاقاً بالذات والوجُود.