آخر تحديث: 11 / 2 / 2026م - 10:41 م

الرذيلة منحدرٌ لا قاع له

عبد الغفور الدبيسي

انشغلت مواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة بأخبار الهالك إبستين وفضائحه، وتسريبات عن محادثاته وشركائه في جرائمه، ومن تلوث معه، ولا يزال للملف فصول لم تصل إلى خواتيمها بعد. ولسنا في معرض الحديث عن الآثار السياسية والحضارية والفلسفية لهذه الفضائح الأخلاقية الفاحشة، لكني أريد أن ألتفت إلى معنى آخر. فبينما ينشغل أرباب الرذيلة بتبادل التهم، وتوظيف الأحداث، والتربص ببعضهم، والكيد ببعضهم، كما وصف الله حالهم يوم القيامة: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا [العنكبوت: 25]، يحسن بأهل الفضيلة أن يشكروا الله على هذه النعمة الكبيرة التي منَّ الله عليهم بها، وأن يشيدوا بناءها، ويمجدوا أعلامها، ويرفعوا راياتها، ويدلّوا عليها، ويحتفوا بها كأثمن ما يملك الإنسان وأعز ما يفتخر به. علينا أن نعلم أبناءنا أن الفضيلة والعفاف والمروءة مفردات جميلة تجعل الحياة أغلى وأجمل.

وعلينا أن نعلم أن الرادع الأكبر أمام انتشار الرذيلة ليس القوانين والمحاكم، وإنما الوازع الأخلاقي الذي لا يزال باقيًا في نفوس الناس. هذا الاستنكار والاستهجان الذي يواجههم به البشر في جميع أصقاع الأرض هو السد الحقيقي أمامهم؛ ولذا يفعلون المستحيل من أجل حجب الحقائق وتحريفها حتى لا تستثير الناس وتحرك ضمائرهم. مهما تطورت القوانين فلن تستطيع حماية هذا الجانب، وتبقى التربية الروحية والأخلاقية هي الأمل الوحيد، وهذا ما يرتب على التربويين وواضعي المناهج التربوية مسؤولية كبيرة لرعاية هذا الجانب في المناهج التي يطورونها بغية تشريب الجيل الجديد بها.

إذا انتشرت الرذيلة سلب الأمن. الأمن الاجتماعي هو الضحية الأكبر في مثل هذه الحالات. من من الآباء أو الأمهات في كل الدنيا لا يرتعش خوفًا على أبنائه وبناته عندما يستمع إلى حيل وألاعيب هؤلاء المجرمين المعتدين؟ ينتشر الخوف والشكوك في هذه المجتمعات، فلا يأمن الجار جاره، ولا القريب قريبه، ولا الطفل مدرسه، ولا الموظفة رئيسها… الجميع يشعر بالخوف والشك. هذه كلفة كبيرة للمجتمعات.

وليعلم أبناؤنا وبناتنا أن الرذيلة منحدر لا قاع له. إذا فكرت في التحرك خطوة واحدة في هذا الاتجاه، فستجد نفسك تنزلق خطوة بعد خطوة في منحدر سحيق حتى تصل إلى مستوى لا يختلف فيه الإنسان عن البهيمة. بل على الحصيف أن يفر من كل موقف أو عمل أو وظيفة يشم منه رائحة الرذيلة مهما كان الثمن.

حمى الله أبناءنا وبناتنا وأوطاننا من ذئاب الرذيلة ومروجيها، ورفع الله رايات الفضيلة وأعلامها.