التنزّه عن الخوض في أخبار الفضائح، حماية للروح قبل المعلومة
نعيش في عصر تتسابق فيه وسائل الإعلام ومنصّات التواصل، على كشف ونشر الفضائح وتضخيمها، وجعلها زادًا للتداول والنقاش والتعليقات ومحورًا للاهتمام، لكسب المزيد من المتابعين والمشاهدات وتحقيق الأرباح، حتى لو كان ذلك على حساب سلامة المجتمع الأخلاقية واستقراره الروحي والقيمي. مثال على ذلك: قضية «إبستين» التي تحوّلت إلى مادة يومية تُستهلك بشراهة، وكأنها جزءًا من الترفيه العام. غير أنّ هذا الانغماس المفرط في تفاصيلها، وما تحمله من انحلال أخلاقي وسلوكيات منحرفة، يطرح سؤالًا مهمًا: هل نحن بحاجة فعلًا إلى الخوض والغوص في هذه المستنقعات، أم أن واجبنا الأخلاقي والإنساني يقتضي الترفّع عنها؟
إنّ تداول الفضائح ليس مجرّد نقل أخبار، بل هو انخراط في عالم موبوء يترك أثره الملوّث على النفس والروح قبل العقل. فالقضية، بما تحمله من انحرافات واستغلال وفساد أخلاقي، ليست حدثًا عابرًا، بل نموذجًا صارخًا للموت الروحي الذي يمكن أن يصيب المجتمعات حين تنفصل عن القيم الدينية والإنسانية. ولهذا، فإنّ الخوض في تفاصيلها الدقيقة لا يضيف معرفة نافعة، بل يلوّث الطهارة النفسية ويشوّه الفطرة السليمة.
لقد أصبح استهلاك الفضائح جزءًا من الثقافة الإعلامية الغربية، حيث تُقدَّم الانحرافات الأخلاقية في قالب «قصة مثيرة» أو «كشف صادم»، وكأنّها مادة للمتعة لا للعظة. هذا النمط من التناول يساهم في تطبيع السلوكيات المنحرفة، ويجعل الجمهور يتعامل معها ببرود، بل وربما بفضول مَرَضي، بل إن مثل هذه الأخبار الفاضحة أضحت جزءًا من السوق الإعلامية لديهم، ويتابعها بشغف قطاع عريض من الناس، وهذا يعني بدوره الانهيار القيمي في المجتمع.
إنّ النفوس التي تتعرّض يوميًا لهذا النوع من المحتوى تفقد تدريجيًا حسّها الأخلاقي وطهارتها الروحية، وتعتاد رؤية الانحلال وكأنه جزء طبيعي من الحياة. وهنا تكمن الخطورة: ليس في الفضيحة نفسها، بل في أثرها التراكمي على الوعي الجمعي.
حين يبتعد الإنسان عن الدين، يفقد البوصلة التي تهديه إلى الخير وتجنّبه السقوط في الشهوات. وما نراه في المجتمعات الغربية من انغماس في الملذات، وتفكك أسري، وغياب للضوابط الأخلاقية، ليس إلا نتيجة طبيعية لهذا الانفصال عن القيم الروحية.
قضية «إبستين» ليست مجرد حادثة فردية، بل انعكاس لبيئة كاملة فقدت صلتها بالمعنى، واستبدلت القيم بالمصالح، والروح بالمادة. ولذلك، فإنّ تناولها من باب الفضول لا يحقق أي فائدة، بل يجرّ المتابع إلى عالم من الظلام النفسي الذي يطفئ نور الفطرة.
من واجبنا، إذا أردنا الحديث عن مثل هذه القضايا، أن نبتعد عن التفاصيل الملوّثة، والتي لا تفيدنا بشيء. بدلًا من ذاك علينا أن نركّز على الدرس الأخلاقي والروحي. فالمقصد ليس تتبّع أسماء ولا سرد مشاهد ومعرفة تسلسل الأحداث، بل التحذير من الانزلاق في طريق الشهوات الذي يبدأ بخطوة صغيرة وينتهي بخراب النفس.
إنّ النصيحة الصادقة هي أن نُذكّر أنفسنا والآخرين بأنّ الانغماس في الملذات بلا ضوابط يقتل الروح، وأنّ المجتمعات التي تبتعد عن الدين تفقد حصانتها الأخلاقية، مهما بلغت من تقدّم مادي أو علمي. فالقيم ليست ترفًا، بل هي أساس الحياة السليمة.
في الختام، حماية النفس من التلوث الأخلاقي مسؤولية تتطلب وعيًا وحزمًا؛ فعلينا أن نكون تجاه القاذورات السلوكية، كمن يمرّ بمشهد بالوعة مجاري «أجلكم الله»؛ لا يقف ليصف قبحها أو ينشر تفاصيلها، بل يستنكف عن ذكرها، ويترفع عن الخوض فيها، ويصبّ جلّ اهتمامه على توقّيها والابتعاد عنها.
إن الفرد مطالب بانتقاء ما يشاهد، والمجتمع ملزم بتقديم خطاب بنّاء يرفض «تدوير النفايات» الأخلاقية. فالترفع عن تداول الفضائح ليس تجاهلًا، بل هو سموّ روحي ونضج فكري يحفظ نقاء القلب، ويؤكد أن كرامة الإنسان تكمن في صيانة بصره وفكره عن كل ما يخدش الطهر.
















