قصة الحجاب وضجيج الترند
الخبر بسيط وواضح يقول إن امرأة مشهورة كانت محجبة وخلعت حجابها، لا أكثر ولا أقل. هذا يحدث تقريبًا كل يوم؛ فهناك كثير من النساء كنّ محجبات وخلعن الحجاب، كما أن هناك كثيرات غير محجبات ارتدين الحجاب لاحقًا. الأمر في ذاته ليس جديدًا، ولا نادرًا، ولا استثنائيًا.
الاستثناء الحقيقي لم يكن في الفعل، بل في رد الفعل. في حجم الضجيج الذي أعقبه، وفي الطريقة التي تعامل بها الجمهور مع الخبر، فحوّله إلى قضية كبرى، ومعركة آراء، واستعراض مواقف، وكأن هذا التغيير الشخصي يمس الجميع مباشرة.
ما حدث بعد الخبر هو ما يستحق التوقف، لا الخبر نفسه. فجأة امتلأت المنصات بآراء لا تُحصى، أحكام قاطعة، يقين صاخب، وانقسام حاد، فجور في الخصومة. الجميع تكلّم، لكن قليلين فكّروا. الجميع حكم، لكن نادرًا ما سأل أحد نفسه: ما الذي يجعل هذا الخبر يشغلني إلى هذا الحد؟ هل تم استفزازي؟ ما الذي أبحث عنه في هذا الجدل؟
هذا الاهتمام المفرط لا يدل على عمق بقدر ما يكشف عن فراغ يبحث عن مادة سهلة ليملأها. والمرأة هنا كانت مادة مثالية: قصة شخصية، صورة واضحة، انقسام مضمون، ولا حاجة لأي قراءة أو معرفة أو جهد ذهني. مجرد خبر يمكن اختصاره في سطر، ثم البناء عليه كما نشاء.
الجمهور لم يتعامل مع الخبر بوصفه خبرًا، بل بوصفه فرصة. فرصة للغضب، فرصة للاستعراض الأخلاقي، فرصة لإعلان المواقف أمام الآخرين. التعليق لم يعد وسيلة للفهم، بل وسيلة لإثبات الوجود. من لا يعلّق كأنه غير حاضر، ومن لا يرفع صوته كأنه بلا رأي.
نحن لا نكتفي بالخبر، بل نلاحق ما وراءه. إذا انفصل زوجان مثلًا، يبدأ التفتيش: ماذا قال؟ لماذا قال؟ من المخطئ؟ تُستخرج الصور القديمة، وتُحلَّل الكلمات، ويُفتَّش في التعليقات كأنها أدلة في محكمة. تتحول الخصوصيات إلى مادة عامة، وتصبح الحياة الشخصية للآخرين ساحة مفتوحة لتكهناتنا. لم يعد الفضول سؤالًا بريئًا، بل رغبة في التسلل إلى ما لا يعنينا.
في هذا المشهد لا أحد مهتم فعليًا بالمرأة، لا من هاجم ولا من دافع. الجميع مهتم بنفسه: بصورته، بموقفه، بانتمائه إلى هذا الصف أو ذاك. المرأة اختفت كإنسان، وبقيت كرمز يُستخدم ويُستدعى ويُستهلك حسب مزاج الترند.
المشكلة هنا ليست في اختلاف الآراء؛ فالاختلاف صحي وطبيعي. المشكلة أننا نختلف دون أن نقرأ، ونحكم دون أن نفهم، ونغضب دون أن نعرف لماذا. نعيش على ثقافة الأبيض والأسود لأن الرمادي متعب، ولأن التفكير في المنتصف يحتاج جهدًا ذهنيًا لم نعد ندرّب أنفسنا عليه.
ما تكشفه هذه الضجة ليس أزمة قيم بقدر ما هي أزمة قراءة. نحن نحب الرأي لأنه سهل، ونكره الفهم لأنه مُرهق. نحب أن نكون جزءًا من الجدل، لكننا لا نحب أن ندفع كلفة التأمل. ولهذا تتكرر القصة نفسها مع كل ترند جديد، بالحدة نفسها.. السطحية نفسها.
ستنتهي القصة كما انتهت غيرها، وسيأتي خبر آخر، وامرأة أخرى، وموضوع آخر، وسيتصرف الجمهور بالطريقة نفسها. ليس لأن القضايا خطيرة، بل لأن عقولنا اعتادت الإثارة لا المعنى، والحكم لا الفهم.
السؤال الذي يبقى، ومزعج بطبيعته، هو: هل نحن مهتمون فعلًا بما يحدث، أم أننا فقط نبحث عن شيء نصرخ بسببه قبل أن ننتقل إلى الصرخة التالية؟
















