آخر تحديث: 11 / 2 / 2026م - 12:21 ص

شهر رمضان وقفة للتدبر

زكريا أبو سرير

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [سورة محمد: الآية 24].

ما زال هناك قسمٌ من الناس يرفض فكرة نشر ثقافة التدبر في القرآن الكريم، بحجة أن التدبر شأنٌ خاص بأهل الاختصاص في العلوم القرآنية، وبالعلماء وطلبة الحوزات والمؤسسات الدينية فقط، وأن غير المتخصصين لا يحق لهم التدبر في كتاب الله. ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن فتح باب التدبر لعامة الناس قد يؤدي - بزعمهم - إلى ضياع مفاهيم القرآن، وفقدان روحه السماوية، والانحراف عن المشروع الإلهي.

غير أن هذه الفكرة، في حقيقتها، تخالف المنهج القرآني والسنة النبوية مخالفةً تامة؛ فالقرآن الكريم لا يكتفي بالدعوة إلى التدبر، بل يدفع إليه دفعًا. فجاء الخطاب الإلهي بصيغة: ﴿أَفَلَا ، وهي صيغة تخاطب العقل، وتحرّك القلب، وتُلزم الإنسان باتخاذ موقفٍ صادق بينه وبين الله سبحانه وتعالى.

وكلمة «أفلا» تعني: أيعقل بعد هذا كله ألا تهتدوا؟ فهي صيغة قرآنية تهزّ الغفلة، وتدعو العقل والقلب إلى اليقظة.

دلالة كلمة «أفلا»

عند التحليل اللغوي لكلمة «أفلا» نجد أنها تتكوّن من حرفين:

الفاء، وهي فاء التفريع أو التعقيب، وتفيد الربط بما قبلها، والنتيجة المنطقية لما سبق ذكره. وكأن الآية تقول: بعد كل هذه الآيات، والبراهين، والدعوات إلى الإيمان، أليست النتيجة الطبيعية هي التفكر، ثم الهداية؟

أما «لا» فهي نافية خرجت مخرج الاستفهام، أي أنها ليست نفيًا حقيقيًا، بل استفهام إنكاري توبيخي، ومعناه: كيف لا يتدبرون؟ أو أيعقل أن يُعرضوا عن التدبر والتفكر في آيات ربهم وخالقهم؟

وهذا الأسلوب يحمل في طيّاته استنكارًا شديدًا، ولومًا وتقريعًا، غايته إيقاظ العقل من الغفلة، وتحريك الضمير والوجدان، لأن الجواب - في الفطرة السليمة - بديهي ولا يحتاج إلى بيان.

ولهذا لم يقل الله تعالى: لا يتدبرون القرآن، بل قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ، لأن الفاء هنا تُحمِّل المخاطَب مسؤولية ما سبق من بيان وحجج ظاهرة وباطنة كشفها القرآن الكريم. وكأن الخطاب الإلهي يقول: إن عدم التدبر بعد كل هذا ليس جهلًا، بل تقصيرٌ وإعراض.

إن القرآن الكريم ليس مجرد كتاب تلاوة تُحرّك به الألسن، ولا وسيلة لطلب الأجر والتبرك فحسب، بل هو خطاب إلهي موجَّه إلى الإنسان بعقله وقلبه وسلوكه. ومن هذا المنطلق جاءت الدعوة القرآنية الصريحة إلى التدبر، بوصفه الطريق الحقيقي لفهم رسالة الله تعالى، واستيعاب مقاصده، وتحويل آياته إلى واقعٍ حيٍّ يُلامس حياة الناس في جميع جوانبها.

وقد ورد عن رسول الله محمد ﷺ قوله: «أفضل العبادة قراءة القرآن مع التدبر»، فجعل التدبر روح العبادة وغايتها، لا مجرد ترديد ألفاظٍ تُقال وتُسمع، ثم يظن القارئ بعدها أنه قد أدى ما عليه، خصوصًا في شهر رمضان المبارك.

وإذا كان هذا هو واقعنا اليوم، فإن الواجب يحتم علينا تغيير هذا المنهج الخاطئ، وهذا الفهم السطحي البعيد عن الثقافة القرآنية، وعن الأهداف السامية التي أرادها الله سبحانه وتعالى لعباده.

ورد عن الإمام جعفر الصادق قوله: «إذا مررت بآية فيها ذكر الجنة فاسأل الله الجنة، وإذا مررت بآية فيها ذكر النار فتعوذ بالله منها» «الكافي».

ويضع هذا الحديث الشريف منهجًا تطبيقيًا للتدبر والتفكر التفاعلي مع القرآن الكريم؛ أي أن تلاوة القرآن تحتاج إلى وقفات تأمل وتفكر، وحضورٍ عقلي وقلبي، لا مجرد حضورٍ جسدي. وكلٌّ بحسب قدرته الفكرية، وفهمه، وثقافته، وإدراكه، على أن يكون هناك تفاعل وجداني وعقلي أثناء التلاوة.

فمن دون هذا التفاعل، تُصاب القلوب بالقسوة، ويُهجر أحد أهم أسس القرآن الكريم، وهو التدبر. وقد ورد عن الإمام محمد الباقر : «ما شيء أشد على القلوب من تلاوة القرآن بغير تدبر» «مضمون الرواية - الكافي».

كما قال رسول الله ﷺ: «ربَّ قارئٍ للقرآن والقرآن يلعنه»،

وقال أيضًا: «لا خير في قراءةٍ ليس فيها تدبر»،

وفي حديث آخر: «أفضل العبادة قراءة القرآن مع التدبر».

وهذه الأحاديث الشريفة تحمل رسالة واضحة مفادها أن من يقرأ القرآن ولا يعمل به، أو لا يتدبر معانيه، يكون القرآن حجةً عليه لا له، ولا خير في قراءةٍ بلا تفكر. ومن هنا جاء النداء القرآني المتكرر الداعي إلى التدبر، لأن التدبر هو الجسر الحقيقي بين النص القرآني وسلوك الإنسان.

إن التدبر في اللغة هو النظر في عواقب الأمور، وفي الاصطلاح هو إعمال العقل والقلب في فهم معاني القرآن الكريم، واستحضار مقاصده، والوقوف عند أوامره ونواهيه. وقد أكد القرآن هذا المعنى في مواضع عدة، منها قوله تعالى:

﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [سورة ص: الآية 29].

فالتدبر ليس خيارًا ثانويًا، بل هو جوهر العلاقة مع القرآن، وسبيل إحياء القلوب، خاصة في شهر رمضان، شهر القرآن.