بلاغة الرحيل.. لوحة الظعائن في الشعر الجاهلي
مقاربة تحليلية في سيكولوجية الخطاب وتداولية المعنى
لا تنهض اللغة الشعرية في النص الجاهلي بوظيفتها الوصفية أو الإبلاغية فحسب، بل تتجاوز ذلك لتغدو أداةً نفسيةً ومعرفيةً معقّدة، تُستثمر في إدارة التجربة الوجدانية، وإعادة تنظيم الصدمة، وتحويل الفقد من حدثٍ معيش إلى معنى قابل للتداول داخل الجماعة. وفي هذا الإطار، تحتلّ لوحة الظعائن موقعًا مركزيًا في بنية القصيدة الجاهلية، بوصفها لحظة خطابية مكثّفة تتقاطع فيها الدلالة والوظيفة، والذات والسياق، واللغة والنفس.
فالظعائن ليست مشهدًا عابرًا للرحيل، بل بؤرةً نفسيةً رمزيةً، تتكثّف عندها ثنائيات: الحضور والغياب، الاستقرار والاقتلاع، الجسد والمكان، الذاكرة والزمن. ومن ثمّ، فإن مقاربتها تقتضي تجاوز التحليل البلاغي التقليدي، إلى مساءلة كيفية اشتغال اللغة بوصفها فعلًا سيكولوجيًا تداوليًا.
تدلّ الظعينة في أصلها اللغوي على المرأة في الهودج، ثم توسّعت دلالتها لتشمل المرأة الراحلة، والقافلة، والرحلة نفسها. غير أن الشعر الجاهلي لا يكتفي بهذا المعنى القاموسي، بل يعيد شحن اللفظة بطاقة رمزية كثيفة، تجعلها علامةً على الانقطاع الوجودي.
فالظعائن في الخطاب الشعري الجاهلي تؤدّي وظائف متعدّدة:
• تمثّل ذاكرة المكان حين يُستلب
• وتغدو مركز العاطفة حين تُفقد
• وتتحوّل إلى علامة على هشاشة الثبات الإنساني
ومن هنا، تصبح الكلمة علامةً تداولية لا تُفهم إلا ضمن مقام التلفّظ، وحالة المتكلم النفسية، والسياق الثقافي الذي يفترض معرفةً مشتركة لدى المتلقي، وهو ما يتّسق مع ما أشار إليه عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز من أن المعنى لا يقوم في اللفظ مفردًا، بل في علاقته بالسياق والتركيب.
يُبنى خطاب الظعائن على حالة نفسية متوترة، قوامها الصدمة الوجدانية الناتجة عن الفراق. والصدمة، من منظور نفسي، لا تُحكى بسردٍ هادئ، بل تتسرّب عبر التشظّي، والانزياح، وتكثيف الصورة.
يقول امرؤ القيس:
كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا
لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّابُ وَالْحَشَفُ الْبَالِي
فالبيت لا يصف مشهدًا خارجيًا محايدًا، بل يُسقط اضطراب الذات على العالم، فيغدو الخارج مرآةً للاهتزاز الداخلي. وهنا تعمل اللغة بوصفها آلية إسعاف نفسي: محاولة لتثبيت ما يتفكّك، وتحويل الألم إلى صورة قابلة للاحتمال.
ويؤكّد هذا البعد النفسي ما يذهب إليه الجاحظ في البيان والتبيين حين يربط البيان بقدرة المتكلم على الإفصاح عمّا يعتمل في النفس، لا بمجرد نقل الوقائع.
تقوم لوحة الظعائن على جملة من التقنيات البلاغية ذات الوظيفة النفسية:
• التشخيص: إذ تُمنح الظعائن حيوية الكائن المتفاعل
• الاستعارة الحركية: حيث يتحوّل الرحيل إلى فعلٍ عنيف يجرح الذات
• التقطيع البصري: بتتبّع الهودج، والإبل، والغبار، والصوت
يقول زهير بن أبي سلمى:
ظَعَائِنُ مِنْ بَنِي جَشَمِ بْنِ بَكْرٍ
تَرَكْنَ مَنَازِلَ الأَحْيَاءِ بَادِيَا
اللوحة هنا ليست ساكنة، بل مشهدًا ديناميكيًا تتحرّك فيه العناصر في انسجام حزين، بما يعكس وعيًا تداوليًا بوظيفة الخطاب: فالشاعر لا يصف لذاته، بل يخاطب متلقيًا يشترك معه في معرفة معنى الرحيل بوصفه تجربة جمعية.
لا يمكن فهم خطاب الظعائن خارج سياقه الثقافي الجاهلي، حيث كان الترحال قدرًا، والفقد خبرةً متكرّرة. لذلك يفترض الشاعر:
• معرفةً مسبقة لدى المتلقي
• واستجابةً عاطفية جاهزة
• وقدرةً على ملء المسكوت عنه
يقول طرفة بن العبد:
وَقُوفًا بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ
يَقُولُونَ لَا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَلَّدِ
فالوقوف هنا ليس فعلًا مكانيًا، بل موقفًا تداوليًا يعلن بداية خطاب الحنين. والظعائن تتحوّل إلى ذريعة لغوية لإطلاق البوح، وهو ما ينسجم مع التصوّرات الحديثة لتداولية الخطاب كما عرضها صلاح فضل في بلاغة الخطاب وعلم النص.
على الرغم من وحدة اللوحة، تتنوّع زوايا الرؤية تبعًا للبنية النفسية للشاعر:
• امرؤ القيس: يرى الظعائن بعين العاشق المفجوع، فتغدو صدمة عاطفية
• زهير: يراها بعين الحكيم، فتتحوّل إلى تأمّل في المصير
• طرفة: يراها بعين الشاب القَلِق، فتغدو احتجاجًا على الفناء
وهنا تتجلّى قدرة الخطاب الشعري الجاهلي على تحويل التجربة الفردية إلى معنى إنساني مشترك، كما أشار إحسان عباس في تاريخ النقد الأدبي عند العرب.
تكشف لوحة الظعائن في الشعر الجاهلي عن تلاحم عضوي بين بلاغة الدلالة وتداولية المعنى، حيث تعمل اللغة بوصفها أداةً نفسيةً وثقافيةً لإدارة الفقد، لا مجرد وسيلة وصف. فالظعائن ليست موضوعًا شعريًا عابرًا، بل نواةً خطابية تعبّر عن قلق الإنسان إزاء الزمن والمكان والغياب.
ومن ثمّ، يتبدّى الشعر الجاهلي خطابًا إنسانيًا بالغ الوعي باللغة ووظيفتها، شديد الحساسية بالنفس، وقادرًا - رغم قِدمه - على مساءلة أسئلة لا تزال راهنة: كيف نواجه الفقد؟ وكيف تنقذنا اللغة حين يعجز الفعل؟
















