آخر تحديث: 8 / 2 / 2026م - 12:19 ص

كن أنت ملاذك الآمن

ياسين آل خليل

إذا كان العالم الذي نعيشه يزدحم بالأحكام المسبقة والانتقاص من قدر الآخرين، ألا يكفي أن ترتكب زلة مرة واحدة حتى تُوصم بما ليس فيك، ودون أن يُمهلك أحد لتشرح أو تُصلح. المجتمع، الأسرة، حتى المقربون منك، لا ينتظرون منك أن تتعافى، بل يريدونك أن تظل دوما وأبدا في قفص الخطيئة. في خضمّ هذا كله، ينسى الإنسان أن العقوبة الأكبر ليست في ما يفرضه عليه الناس..!

في كثير من الأحيان، يكون قاضيك الداخلي أشد من أي صوت خارجي. تكشف زلة صغيرة فتتحول إلى محكمة مفتوحة، تحاكمك صباح مساء بلا رحمة. تتحدث إلى نفسك بلغة لم تسمح يومًا لأحد أن يخاطبك بها، وتُقنع نفسك بأنك لا تستحق المغفرة.

عندما نعيش واقعا يفرط في التجميل، فمن الطبيعي أن نرى معظم الناس يتظاهرون بالكمال، عندها يصعب أن تعترف أنك أخطأت. لكن الحقيقة أن كل من تراه أنيقًا، ناجحًا، متزنًا، يحمل في داخله شيئا من الفوضى، قد تكون لحظة ضعفٍ، قرارًا ندم عليه، أو جرحًا لا يزال ينزف في الخفاء. وحدهم الشجعان يعترفون بذلك، والأقوى هم الذين استمروا في الحياة بعطاءاتهم رغم ما انتابهم من جروح.

أحيانًا نخلط بين تأنيب الضمير والتوبة الصادقة. الأولى تُشلّك وتجعلك تراوح مكانك، تُعيد المشهد ذاته ذهنياً مائة مرة، وتنتظر أن يُغيّره الزمن. أما الثانية، فتُطلقك إلى الأمام، وتدفعك لتعديل المسار. الشعور غير المنضبط بالذنب ليس فضيلة، بل قيدٌ يُعيقك أن تصبح الشخص الذي تتمنى أن تكون عليه.

قد تُجيد طلب السماح من الناس، تكتب الرسائل الطويلة، تُبرر، تُوضّح، تطلب فرصة. لكن ماذا فعلت تجاه نفسك..؟ هل بادرت أو منحتها متّسعا من الوقت..؟ كم مرة اعتذرت لها..! لا تنتظر أن يواسيك الناس، أو تظن أن العالم سيُجيد فهم تفاصيلك. كن رحيمًا بذاتك لأن العالم لن يفعل. اغفر لنفسك لأنك وحدك الذي تعرف كم حاولت، وكم قاومت، وكم انكسرت. كن أنت ملاذك الآمن لأن العالم في مجمله لا يرحم، إلا من رحم ربي.

في النهاية، لا يُقاس نُبل الإنسان بعدد أخطائه، بل بقدرته على النهوض دون أن يفقد إنسانيته. لا تجعل من زلّتك تعريفًا لك، ولا تسمح لذاك الصوت القاسي داخلك أن يُصادر حقك في النمو. تعلّم، صحّح، وامضِ قدمًا، فالحياة لا تمنح فرصها لمن يجلدون أنفسهم، بل لمن يفهمون ضعفهم ويحوّلونه إلى وعي. العالم من حولك لا يحتاج نسخة مثالية منك، بل نسخة صادقة، متصالحة، وقادرة على الاستمرار.