تجاربكم وصيد خواطركم
يعجبني من التراث الإسلامي كتاب صيد الخاطر لابن الجوزي، إذ كان يدوّن خواطره كلما خطرت بباله فكرة، أو لامس قلبه معنى، أو رأى من الناس سلوكًا أثار فيه تأملًا، ولعلَّ ما يجاري نسقه — إلى حدٍّ ما — في زماننا المعاصر كتاب الأزهار الأَرْجِيَّة للشيخ فرج العمران رحمه الله [1] ، من حيث كونه تجربة شخصية وذاكرة لعصره، وفي كلا الكتابين لمحات تربوية واضحة.
وما دام الحديث عن التجارب والذاكرة، فأرى من الجميل أن يُقبل القارئ الكريم — ولا سيما المتقاعدون في شتى مجالات الحياة — على تدوين تجاربهم بقدر استطاعتهم، سواء باللغة الفصحى أو حتى بالدارجة، كتابةً أو تسجيلًا صوتيًّا، وليعدّوا ذلك ضربًا من ضروب الوقف الخيري؛ فخيرُ المخلَّفات المؤلَّفات كما قيل قديمًا، فضلًا عن أن في هذا العمل مصلحةً وطنيةً عليا، وما أكثر الكتب في هذا السياق، ككتاب حياة في الإدارة للدكتور غازي القصيبي رحمه الله، أو كتاب تجاربي مع المنبر للشيخ أحمد الوائلي رحمه الله، وأيضًا كتاب كن تاجرًا للمتألق فواز باشراحيل [2] .
ويحضرني في هذا السياق قصةُ آصف حسين شاه، الذي عمل سائقَ تاكسي مدة عشر سنوات، وكان خلال عمله يستمع إلى قصص الركاب، ومشكلاتهم وأفراحهم وأسرارهم وحكاياتهم اليومية، هذه القصصُ ألهمته أن يكتب كتابًا يجمعُ فيه خلاصة التجارب الإنسانية التي مرّت به في عمله، فاستغرق في تأليفه خمس سنوات، رغم أنه لم يُكمل تعليمه الثانويَّ بسبب ظروفه المعيشية، حتى صار من أكثر الكتب مبيعًا في باكستان [3] ، ولعل ما يشابهه في عالمنا العربي كتاب «تاكسي.. حواديت المشاوير» [4] للكاتب المصري خالد الخميسي.
ولكي لا أكون ممّن يأمرون الناس بالمعروف وينسون أنفسهم، اصطدتُ من خواطري ومضتين شغلني البحث عن جوابهما، وراق لي أن أشارككم إيّاهما.
ورد عن النبي الأعظم ﷺ «استعينوا على أموركم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود» [5] ، وورد عن أمير المؤمنين
: «من استبدّ برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها» [6] .
وقد بدا لي في الوهلة الأولى أن بين الروايتين شيئًا من التنافي؛ إذ إن بعض ما يُستشارُ فيه لا بدّ أن يُكشف معه شيء من الأسرار، وبعد تأمّل وجدتُ ألّا تنافي بينهما أصلًا؛ فما من عامٍّ إلا وقد خُصَّ، فالكتمان أصلٌ تربويٌّ مطلوب، لكنه لا يلغي الحاجة إلى المشورة في القضايا المفصلية التي لا يملك المرء خبرة كافية لمعالجتها، تمامًا كالمريض الذي لا يستطيع الطبيبُ علاجه له ما لم يصدقه في كشف حاله له.
وقفتُ عند قوله تعالى ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: 268]، ثم عند قوله تعالى ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6-7]، فخطر لي سؤالٌ عابر: لماذا يخوّف الشيطان الإنسان من الفقر، مع أن الغنى قد يكون بابًا إلى الطغيان؟ وبعد تدبّرٍ بدا لي أن الشيطان لا يريد الإنسان فقيرًا ولا غنيًا، بل يريد قلبه مضطربًا؛ فإن كان فقيرًا خوّفه حتى ييأس ويجزع، وإن كان غنيًا أغراه حتى يطغى ويغترّ، فالقضية ليست في المال، بل في الحالة الداخلية للإنسان؛ يخوّف الفقير ليعطّل ثقته بالله، ويغري الغني ليعطّل تواضعه لله، وفي الحالين يكون الهدف واحدًا: إفساد القلب وإبعاده عن السكينة.
وأخلص في النتيجة إلى أنه مهما كانت تجاربنا، ومهما كانت خواطرنا، دوّنوها، أرجوكم، فكما أرشدنا أمير المؤمنين
إلى أن «في التجارب علم مستأنف» [9] ، وأما في الخواطر؛ فلا تتركوا خاطرة بلا إجابة؛ فبعضها يشجّعكم على السؤال، كما ورد عنه
«العِلمُ خزائنٌ ومفتاحُه السُّؤال» [10] ، وبعض الخواطر قد تجرّكم إلى التشكيك إن تُركت دون جواب.
لذلك فالخاطر الذي يُكتب يعيش، والتجربة التي تُدوّن تُثمر.
















