جيل يريد أن يفهم معنى التحليل السياسي
قبلها بليلة، كنت على شاشة قناة ”العربية“ مشاركًا في برنامج ”ساعة حوار“ الذي تديره الصحافية ريم بوقمرة، في حلقة عنوانها ”حسابات دول الخليج حيال أزمة إيران“! كان النقاشُ ثريًّا، تناول موقف دول مجلس التعاون الخليجي، وتحديدًا السعودية، حيال احتماليات الحرب بين واشنطن وطهران، والدبلوماسية النشطة التي تمارسها الرياض بهدف الدفع نحو إيجاد حلول سلمية مستدامة.
هذا النقاش الجاد استمر في اليوم التالي، ولكن دون بقية ضيوف ”البرنامج“ ومع جمهور مختلف تمامًا، وذلك في أروقة ”المنتدى السعودي للإعلام“، حيث قدمت ورشة عمل عن ”التحليل السياسي الموضوعي.. أدواته الرئيسة“. الجمهور فاجأني في فئته العمرية، حيث كان الحضور في ”الورشة“ معظمه من الفتيات السعوديات، والغالبية الساحقة من الجيل الجديد، من طلبة الثانوية العامة والجامعة وخريجين، مع عدد من المحللين والمختصين المعنيين بالبيانات. الحديث لم أرده نظريًّا، ولذا استكملت الأفكار التي طرحتها في الليلة السابقة، آخذًا نماذج عملية من كيف يمكن أن نطبق معايير التحليل العلمي الموضوعي من نافذة الأزمة الأميركية - الإيرانية ومساعي السلام في الشرق الأوسط.
وعبر الحديث عن هذه الأزمة أشرت لتطبيقات وشواهد لأهم ما يجب أن يمتلكه المحلل السياسي، وهي عدم التشعب في إبداء الرأي في كل صغيرة وكبيرة، وأهمية التخصص الدقيق في حقلٍ محدد، ومراكمة المعرفة في هذا الحقل من خلال مواصلة التعلم والقراءة والتواصل مع المعنيين بـ ”الملف“ محل الاختصاص، وأيضًا القراءة النقدية لهذه المصادر والمعارف، يضاف لذلك القدرة على الفحص والتدقيق، وتاليًا الربط بين المعطيات المتنوعة، وصولًا إلى الاستنتاجات المبنية على مقدمات صلبة.
وفي ذات الوقت عدم اعتبار هذه النتائج أحكامًا نهائية، إنما قراءة تحليلية قابلة للصواب والخطأ، وخاضعة للمتغيرات الدائمة، خصوصًا في ظل السيولة الأمنية والسياسية التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط.
نهاية ”الورشة“ كانت بالنسبة لي أكثر إبهاجًا، حيث الأسئلة لم تنقطع بانتهاء الوقت، وهنا الأهم: نحن أمام جيل جديد إذا قدمت له محتوى علميًّا رصينًا بقالب جذاب، سيقبل عليه ويتفاعل معه، حتى لو كان سياسيًّا شائكًا.
















