بين التحريم والحنين: كيف تسلل صوت أم كلثوم إلى وجدان جيلٍ محافظ
نشأنا أنا وكثير من أبناء جيلي في مجتمعٍ متدينٍ محافظ، وكان من المسلّمات التي نسمعها منذ الصغر من أهلنا ومعلمينا أن الأغاني حرام ولا يجوز الاستماع إليها. ومع ذلك، كان الفن القديم حاضرًا دومًا في أحاديثهم؛ فما إن يُذكر اسم أم كلثوم أو عبد الحليم حافظ أو محمد عبد الوهاب أو وردة، حتى يبدأ استذكار أمجاد الماضي، وما يُسمّى ب«زمن الطرب الأصيل».
في طفولتي، كنت أتردد على منزل أحد أقربائي، وكان متيمًا بأم كلثوم، بل يعدّ نفسه من «الكلثوميين». كثيرًا ما كنت أقف خلف الباب، أسترق السمع لصوتها المتسلل، مندهشًا ومتسائلًا: ما هذا الصوت؟ أهو لرجل أم لامرأة؟ وما أروعه من صوت! وكان عجبي أكبر لأنني نشأت على أن الغناء حرام، فكيف لرجلٍ ملتزم دينيًا أن يستمع إليه؟
ومع مرور الزمن والسنوات، لم أعد بحاجة إلى الوقوف خلف الأبواب. أصبحت أدخل خلوتَه، فأجده غارقًا بين أوراقه وكتبه، يتسلل شجن أم كلثوم إلى المكان، حتى وجدتني أحفظ أغانيها، وأرددها بين الحين والآخر دون وعيٍ أو إدراك.
لست ناقدًا فنيًا أو باحثًا تاريخيًا، ولكن انتشر الجدل مؤخرًا حول فيلم «الست»، المستوحى من سيرة أم كلثوم، فجعلتني أحاول تناول الموضوع بشكل نقدي، وهي محاولة من «متطفل»، إذ يأتي الجدل امتدادًا لهذا التوتر المزمن بين الفن والمجتمع. الاعتراضات الواسعة التي اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي، والتي لا يمكن فصلها عن حساسية التعامل مع شخصية بحجم أم كلثوم، حيث يخشى كثيرون من تشويه سيرتها، أو إعادة إنتاجها وفق أجندات معاصرة، أو توظيفها رمزيًا في سياقات لا تعكس حقيقتها التاريخية.
غير أن قراءة طبيعة الهجوم تكشف أنه انحصر عمليًا في سببين أساسيين. الأول يتعلق باختيار منى زكي لتجسيد شخصية أم كلثوم، وهو اعتراض يصعب تفهمه فنيًا، لا سيما أن الأداء الذي قدمته منى زكي اتسم بقدر عالٍ من الانضباط والاندماج، إلى حد جعلني أشعر وكأنني جالس في حفلة لأم كلثوم لا قاعة السينما، حتى بدأت أصفق دون إدراك.
ويمكنني القول إن منى زكي تمتلك ما تمتلك سعاد عبد الله من قدرة استثنائية على التشكل داخل الشخصية دون مبالغة في الأداء.
أما السبب الثاني، فيرتبط بمشاركة جهات سعودية، وعلى رأسها «موسم الرياض»، في إنتاج الفيلم. هذا الاعتراض يعكس في جوهره عدم استيعاب للتحولات الجارية في المشهد الثقافي السعودي، الذي بات لاعبًا مؤثرًا في صناعة الفن عربيًا، ليس بوصفه ممولًا فقط، بل بوصفه راعيًا لمشاريع ثقافية عابرة للحدود الجغرافية، وهو تحول يستحق القراءة والتحليل أكثر مما يستحق الرفض الانفعالي.
يتناول الفيلم محطات متعددة من حياة أم كلثوم، وقد حظيت بمشاهدته في المحافظة نفسها التي انطلقت منها مسيرتها: الدقهلية، وعلى بُعد ثلاثين دقيقة من مركز السنبلاوين، مسقط رأسها، حيث بدأت خطواتها الأولى. وحيث أقيم حاليًا في مدينة المنصورة، وعلى مسافة عشر دقائق من نصب أم كلثوم في أحد ميادينها، مما أضفى على التجربة بُعدًا خاصًا ومختلفًا.
على المستوى الدرامي، يبرز مشهدان يستحقان التوقف عندهما.
الأول هو مشهد «رسالة الندم»، حيث تعترف أم كلثوم بندمها على عدم تكوين أسرة، وتقديمها العمل على الحياة الشخصية. هذا المشهد لا ينبغي قراءته باعتباره خطابًا أخلاقيًا مباشرًا، بل بوصفه طرحًا إشكاليًا، حيث دائمًا ما يراودني سؤال: ما ثمن النجاح؟ ولأنني لم أضع خطة الزواج ضمن خطتي الزمنية، تاركًا الأمر للزمن،
مع خوفي من أن يأتي يوم أكتب فيه رسالة ندم مشابهة.
أما المشهد الثاني، فيتمثل في إصرار أم كلثوم على إقامة جولتها العالمية لجمع التبرعات للمجهود الحربي، على الرغم من تدهور حالتها الصحية. كانت تخشى أن تموت على الفراش، وفضّلت أن تموت وهي تمارس رسالتها، حيث تحولت شخصية أم كلثوم من فنانة إلى ناشطة اجتماعية، تربط الفن بالمسؤولية الاجتماعية بدافع وطني، وتختار العمل على حساب صحتها، وأن تترك أثرًا اجتماعيًا ووطنيًا واضحًا حتى آخر يوم في حياتها.
هذا المشهد يستدعي مقارنات مع نماذج معاصرة للتضحية، مثل ما شهده العالم خلال جائحة كورونا من تفانٍ لدى الأطباء والعاملين في الصفوف الأمامية، أو ما يقوم به رجال الأمن الذين يضعون حياتهم على المحك في أداء واجبهم.
تؤكد هذه اللحظات أن السؤال الجوهري ليس في طبيعة الرسالة بقدر ما هو في الإيمان بها والاستعداد لتحمل تبعاتها. فالحياة، في منظور كهذا، قصيرة بما لا يسمح لنا بتباطؤ أو إهمال رسالتنا؛ فنحن لا نعلم متى نغادر، أو مقدار الإثارة، أو إن كان هناك من سيكمل رسالتنا.
وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري إعادة النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع الرموز الفنية. أم كلثوم ليست قديسة، كما أنها ليست مجرد صوت عابر. هي شخصية تاريخية وإنسانية، لها إنجازاتها وأخطاؤها، ولا يجوز تقديسها حدّ تعطيل النقد، ولا محاكمتها أخلاقيًا بما يلغي أثرها الاجتماعي والوطني.
من هنا، تبرز أهمية إنتاج أعمال فنية تؤرخ لسير المبدعين والمنجزين العرب بقدر من النزاهة والعمق، سواء تعلق الأمر بأسماء مثل عبد الحسين عبد الرضا، أو مريم الصالح، ومريم الغضبان، وحياة الفهد، وسعاد عبد الله، كرائدات في الفن الخليجي، أو عبد الحليم حافظ. وهي مشاريع تتطلب مؤسسات تمتلك الرؤية والقدرة، وهو ما يجعل الدور الذي تؤديه هيئة الترفيه، بقيادة معالي المستشار تركي آل الشيخ، جديرًا بالتقدير بوصفه استثمارًا في الذاكرة الثقافية العربية، لا مجرد نشاط ترفيهي عابر.
















