سلة شهر رمضان.. ودمعة شكر
اقترب شهر رمضان، ولم يبقَ على قدومه سوى أسبوعين.
اقترب علي من أمه ببراءة الطفولة، وقال بشوقٍ واضح:
- ماما… رمضان يقترب، أليس كذلك؟
هل ستعدّين لنا العصيدة والهريس؟
أنا أحب اللقيمات كثيرًا… هل ستصنعينها لنا؟
رفعت أمّ علي نظرها نحو زوجها، نظرةً صامتة تختصر ألف سؤال.
كان أبو علي جالسًا، يحدّق في هاتفه دون أن ينطق بكلمة،
وفي داخله تنهيدة موجعة:
آهٍ من قلة الحيلة… هل أتواصل معهم وأخبرهم أننا ما زلنا نحتاج للمساعدة؟
فالراتب يذوب بين الإيجار والفواتير، ولا يبقى منه إلا القليل.
بقي أبو علي صامتًا.
اقتربت منه زوجته وقالت بهدوء:
- اتصل بابن عمك في الجمعية، لعلّه يساعدك. سمعت أنهم يوزّعون هذه الأيام سلالًا غذائية لشهر رمضان، تحوي أهم الأغذية للشهر الكريم.
قال أبو علي بصوتٍ خافت:
- أستحي منه… لقد طلبت منه مبلغًا الشهر الماضي ولم أستطع سداده، وربما يطالبني به.
قالت زوجته بابتسامة الصابرين:
- إذن نكتفي بما هو موجود عندنا.
وسكن الصمت أرجاء البيت…
صمتٌ ثقيل، لكنّه ممتلئ بالصبر.
في اليوم التالي، عاد علي من مدرسته مختلفًا.
عاد فرحًا، وصوته يسبق خطواته:
- ماما! لقد وعدني الأستاذ أن يحضر إلينا سلة رمضانية!
نظرت إليه أمه بدهشة:
- سلة؟ وكيف عرف؟
قال علي بحماس:
- لأنه يعمل في الجمعية، وقال إن اسمنا ضمن القائمة.
ثم أردف مبتسمًا:
- وسوف آكل اللقيمات!
وفي المساء، عاد أبو علي من عمله، وعلى وجهه أثر تعجّب.
سألته زوجته:
- ما بك؟ أراك متعجبًا.
قال:
- لقد اتصل بي ابن عمي اليوم…
كنت قلقًا من مكالمته، خائفًا أن يسألني عن الدين،
لكنه قال:
هل ستحضر إلى الجمعية لاستلام السلة الغذائية، أم نرسل أحد الشباب بها إلى بيتكم؟
سقطت دمعة من عين أمّ علي، وقالت بخشوع:
- ﴿ويُطعمون الطعام على حبّه﴾ …
ثم رفعت يديها قائلة:
- شكرًا لك يا رب.
وهكذا، لم تكن السلة الغذائية مجرد مواد تُحمَل إلى بيتٍ متعب،
بل كانت رسالة رحمة، ودليلًا أن في هذا المجتمع قلوبًا لا تزال تنبض بالعطاء.
إن ما تقدّمه الجمعيات الخيرية من سلال رمضانية ليس مساعدة عابرة،
بل سترٌ لكرامة الأسر، وبسمةٌ لطفل، وطمأنينةٌ لأم، وسكينةٌ لقلبٍ أثقلته الحاجة.
فلنكن جميعًا شركاء في هذا الخير…
بمساهمة، أو دعم، أو كلمة دالّة، أو يدٍ تصل المحتاج قبل أن يمدّها.
رمضان موسم التكاتف،
ومائدة الرحمة تتّسع للجميع،
ومن أطعم بيتًا صابرًا…
أطعم الله قلبه رضا، وبارك له في رزقه.
فلنكن سببًا في وصول السلة،
فربّ سلةٍ غذائية تُكمل فرحة رمضان،
وتصنع أملًا، وتوقظ دعوةً صادقة لا تُرد.
















