آخر تحديث: 6 / 2 / 2026م - 10:48 م

لماذا تحتاج العلاقات العامة إلى حوكمة؟

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * ‏صحيفة اليوم

تشهد المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة حراكًا معرفيًا ومهنيًا لافتًا، تجلّى في ازدياد الملتقيات والمؤتمرات والمنتديات المتخصصة، وتنوع موضوعاتها، واتساع نطاقها الجغرافي. هذا المشهد يعكس مرحلة نضج تنموي تستثمر في الإنسان، وتفتح مساحات للحوار، وتُعزز تبادل الخبرات بما يتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.

هذا التوسع بحد ذاته مؤشر إيجابي، ويستحق التقدير، خصوصًا حين تُدار هذه الفعاليات باحترافية، وتُقدّم محتوى نوعيًا، وتُسهم في تطوير الممارسة المهنية. غير أن اتساع المشهد، كما في أي منظومة نامية، يكشف أحيانًا عن تحديات تنظيمية لا تتعلق بالغاية، بل بآليات الإدارة.

الدعوة لحضور ملتقى أو مؤتمر ليست إجراءً بروتوكوليًا بسيطًا، ولا مجرد أداة ترويجية، بل قرار مؤسسي له أبعاد مهنية وأخلاقية. فهي تحدد من يُمنح فرصة الوصول إلى المنصة، ومن يشارك في الحوار، ومن يُتاح له بناء شبكة علاقات مهنية، ومن يبقى خارج هذا الإطار.

في نماذج تنظيمية ناضجة، تُدار الدعوات وفق معايير واضحة وشفافة: إعلان مفتوح، رابط تسجيل متاح، ضوابط معلنة، ومساواة في الفرص ضمن إطار مهني محدد. وفي بعض الحالات الإيجابية، تُوجَّه الدعوات إلى جمعيات مهنية مرخصة، ويُتاح التسجيل لأعضائها وفق آلية عادلة، دون وساطة شخصية أو انتقائية، وهو توجه يُحسب للجهات التي تدرك أن العلاقات العامة جسر مؤسسي لا أداة تفضيل.

في المقابل، تظهر أحيانًا ممارسات أخرى يتفاوت فيها الوصول، دون تفسير واضح. فبعض الحضور يحصل على دعوات مباشرة، بينما يُطلب من آخرين البحث عن مقاعد مدفوعة، أو يُكتفى بتذكيرهم المتكرر بالحضور دون تمكين فعلي يراعي التزاماتهم الوظيفية أو يبرر تخصيص وقتهم.

وهنا يجدر التوضيح: الدفع مقابل الحضور ليس إشكالية بحد ذاته.

فبيع المقاعد ممارسة تنظيمية مشروعة، وقد تكون ضرورة لضمان استدامة الفعاليات وجودتها. لكن الحوكمة تقتضي الوضوح؛ فإذا كانت هناك مقاعد متاحة للشراء، فينبغي الإعلان عنها صراحة، وإتاحة الفرصة للجميع ضمن ضوابط عادلة، حتى لا تتحول الدعوات المجانية إلى امتياز غير مفسَّر، ولا يصبح الدفع عائقًا انتقائيًا غير معلن.

التفاوت في الدعوات لا يُعد اتهامًا، لكنه سؤال حوكمة مشروع يستوجب إجابة.

في الأدبيات الدولية، تُصنّف الوحدات التي تتحكم في الوصول والظهور والتمثيل والسمعة - ومنها العلاقات العامة - ضمن الوحدات عالية الحساسية من منظور الحوكمة. فهذه الوحدات، بحكم طبيعة عملها، أكثر عرضة لمخاطر تضارب المصالح والانتقائية إذا غابت عنها السياسات الواضحة.

معيار «ISO 37000» لحوكمة المنظمات يؤكد على مبادئ الشفافية، والمساءلة، والعدالة في اتخاذ القرار. كما يتناول معيار «ISO 37001» لأنظمة مكافحة الرشوة مخاطر الهدايا والضيافة والدعوات والامتيازات غير النقدية بوصفها نقاط ضعف محتملة إن لم تُضبط بسياسات مكتوبة. ويُعزز ذلك معيار «ISO 37301» الخاص بأنظمة الالتزام، الذي يشدد على أهمية وجود أطر واضحة للتطبيق والمراجعة والتوثيق.

من هذا المنطلق، فإن الحديث عن حوكمة العلاقات العامة ليس طرحًا شخصيًا، ولا قراءة انطباعية، بل مقاربة منهجية تستند إلى معايير معترف بها دوليًا. فالعلاقات العامة لا تُدير الصورة فقط، بل تُدير النفوذ الرمزي، وتؤثر في من يُسمَع صوته، ومن تُتاح له المنصة، ومن يُعاد تدويره في المشهد المهني.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
محمد المرهون
[ القطيف ]: 5 / 2 / 2026م - 11:50 ص
مقالة رائعة جدا
استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي