الوعي في زمن الغيبة
هل ننتظر الإمام أم نُهيِّئ العالم لعدالته؟
في زمن غياب الإمام المنتظر عجّل الله فرجه، لا يواجه المؤمن سؤال متى الظهور؟ بقدر ما يواجه سؤالًا أعمق: من نكون نحن في زمن الغيبة؟
فالغيبة ليست فراغًا في القيادة، بل امتحان في الوعي، وليست تعطيلًا لمسار العدالة، بل نقلًا لمسؤوليتها إلى ضمير الأمة وسلوكها اليومي.
لقد اعتاد بعض الناس أن يفهم الانتظار بوصفه حالة صبر سلبي، وكأن دور الإنسان يتوقف عند الدعاء والتمنّي، بينما تُظهر النصوص الدينية أنّ الانتظار الحقيقي هو حالة استعداد أخلاقي وحضاري، لا حالة شلل نفسي أو انسحاب اجتماعي.
إنّ أخطر ما يمكن أن يصيب فكرة الانتظار هو أن تتحول إلى مبرر للفشل، أو إلى غطاء للهروب من الواقع، أو إلى خطاب عاطفي بلا أثر عملي. فالإمام المنتظر عجّل الله فرجه ليس مشروع عزلة روحية، بل مشروع عدالة شاملة، ولا يمكن لمشروع كهذا أن يولد في بيئة تُقدِّس الظلم أو تتعايش معه أو تبرره.
الوعي المطلوب في هذا الزمن يبدأ من فهم الغيبة بوصفها مسؤولية مضاعفة لا غيابًا للدور. ففي زمن الحضور، كان الإمام يقود ويصحح مباشرة، أمّا في زمن الغيبة، فالمطلوب أن يتحول المؤمن إلى شريك في حمل القيم التي يمثلها الإمام: العدل، والصدق، وكرامة الإنسان، ومقاومة الفساد.
الانتظار هنا لا يعني أن نعدّ الأيام، بل أن نُعدّ أنفسنا.
فمن لا يستطيع أن يكون منصفًا في أسرته، نزيهًا في عمله، صادقًا في كلمته، لا يمكنه أن يدّعي أنه ينتظر دولة العدل الكبرى. لأنّ دولة الإمام لا تقوم على الشعارات، بل على إنسانٍ مؤهَّل نفسيًا وأخلاقيًا للعدل.
ومن مظاهر الخلل في زمن الغيبة، انفصال التدين عن الواقع؛ حيث يتحوّل الدين إلى طقوس فردية معزولة عن قضايا المجتمع، أو إلى لغة مقدسة تبرر الظلم باسم الحكمة، وتسوّغ الفساد باسم المصلحة، وتخدّر الضمير باسم الصبر.
بينما جوهر مشروع الإمام هو إعادة وصل السماء بالأرض، والدين بالحياة، والإيمان بالمسؤولية.
كما أنّ زمن الغيبة هو زمن الفتن الفكرية، وتضليل الوعي، وتعدد الأصوات التي تتكلم باسم الدين أو باسم المخلّص. لذلك يصبح العقل الواعي جزءًا من العقيدة نفسها، ويصبح التمييز بين الحق والزيف واجبًا دينيًا، لا ترفًا ثقافيًا.
فليس كل من رفع شعار المهدي ممثلًا لمشروعه، وليس كل خطاب ديني دليلًا على الصدق، ولا كل معركة مرفوعة باسم الحق معركة عادلة.
والتمهيد الحقيقي لظهور الإمام لا يختزل في الاستعداد العسكري أو الصراع السياسي فقط، بل هو قبل ذلك وبعده تمهيد حضاري وأخلاقي:
تمهيد في التعليم، ببناء عقل ناقد لا تابع.
وفي الإعلام، بصناعة وعي لا فتنة.
وفي الاقتصاد، بترسيخ الأمانة لا الجشع.
وفي السياسة، بتقديم القيم على المصالح الضيقة.
وفي المجتمع، بصناعة إنسان لا يبيع ضميره ولا يبرر الظلم ولا يقدّس الفاسدين.
إنّ أخطر ما يمكن أن نفعله في زمن الغيبة هو أن نطالب الإمام بعالمٍ لا نملك نحن الشجاعة لنكون صالحين فيه.
فالغيبة ليست انتظارًا فارغًا، بل فرصة تاريخية لإعادة بناء الإنسان من الداخل، حتى لا يتحول الظهور إلى صدمة أخلاقية لأمة غير مستعدة له.
في النهاية، يمكن القول إنّ الوعي المطلوب في زمن الغيبة هو وعي يجمع بين ثلاث دوائر:
إيمان لا ينفصل عن العقل، وعقل لا ينفصل عن الأخلاق، وأخلاق لا تنفصل عن الواقع.
وحين نفهم الانتظار بهذه الطريقة، لا نكون مجرد منتظرين للإمام، بل نكون جزءًا من مشروعه، ولو قبل ظهوره بقرون.
















