آخر تحديث: 5 / 2 / 2026م - 12:20 ص

من البيئة تبدأ الهوية..

باسم آل خزعل

لدي اسم، وأمثل هذا الاسم بما يحمله من قيم وسلوك وانتماء. غير أن المتأمل في واقعنا الاجتماعي يلحظ اتساع مظاهر الشتات والاغتراب، وتراجع الذوق العام، وضعف الإحساس بالمسؤولية، في وقت أصبحت فيه الحاجة ملحة إلى إعادة الاعتبار للهوية بوصفها منظومة قيم متكاملة، لا مجرد مسمّى أو انتماء شكلي.

قدر الله للإنسان أن يولد على هذه الأرض في بيئات متعددة، تختلف في ظروفها الثقافية والاجتماعية، فيتشكل وعيه تبعًا لمكانه الزماني والمكاني. فالإنسان بطبيعته كائن متأثر بمحيطه، يستمد من أرضه جذوره، ومن بيئته ثقافته، ومن تفاعله مع الآخرين ملامح شخصيته. ومن هنا، فإن الهوية لا تُبنى بمعزل عن البيئة، بل تتشكل من خلال منظومة مترابطة تبدأ بالأسرة، وتتسع عبر التعليم، وتترسخ في العلاقات الاجتماعية وبيئة العمل.

يولد الإنسان على فطرة سليمة، ثم تبدأ هذه الفطرة في التأثر عبر دوائر التنشئة المختلفة، بدءًا من الأسرة، مرورًا بالمدرسة، ووصولًا إلى محيطه المهني والاجتماعي. وفي هذه المراحل، تتكون القيم السلوكية، ويتحدد مستوى الوعي، ويبرز دور البيئة في تعزيز الإيجابية أو تكريس السلبية، بما ينعكس مباشرة على الفرد والمجتمع على حد سواء.

فالبيئة الإيجابية هي تلك التي توفر الأمان النفسي، وتغرس ثقافة الاحترام، وتشجع على الحوار وتحمل المسؤولية. وفي مثل هذه البيئة، ينمو الإنسان متزنًا في فكره وسلوكه، قادرًا على التفاعل الإيجابي، ومؤهلًا للإسهام في التنمية الاجتماعية والاقتصادية. فالاستقرار النفسي والأسري لا ينعكس فقط على جودة العلاقات الإنسانية، بل يمتد أثره إلى الإنتاجية، والإبداع، وحس الانتماء.

وفي المقابل، تمثل البيئة السلبية تحديًا حقيقيًا للتنمية الإنسانية، حين تسود فيها القسوة اللفظية، أو التهميش، أو غياب الاحتواء. فهذه الممارسات تضعف الثقة بالنفس، وتحد من القدرة على العطاء، وتخلق حالة من التوتر أو الانسحاب، ما يجعل معالجة هذه الظواهر مسؤولية مجتمعية تتطلب وعيًا، وتعاونًا، وإصلاحًا يبدأ من الجذور.

ولا يخفى أن بعض الأنماط السلوكية تنتقل عبر الأجيال نتيجة غياب الوعي بأثرها، إلا أن تجاوزها يظل ممكنًا متى ما توفرت الإرادة، وتعزز دور الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، في بناء ثقافة قائمة على الاحترام، والاعتدال، وتحمل المسؤولية.

ومن هذا المنطلق، تنسجم هذه الرؤية مع مستهدفات رؤية المملكة العربية السعودية 2030 التي جعلت الإنسان محور التنمية وأساسها، مؤكدة أن بناء المجتمع يبدأ من جودة البيئة التي يعيش فيها أفراده. فالرؤية لا تستهدف التنمية الاقتصادية فحسب، بل تسعى إلى صناعة إنسان واع، معتز بهويته، متوازن في فكره وسلوكه، وقادر على الإسهام الفاعل في نهضة وطنه.

إن الاستثمار الحقيقي هو في بناء الإنسان، وتهيئة البيئة التي تحتضنه، وتمنحه الأمان والاحترام وفرص النمو. وحين تتكامل أدوار الأسرة، والتعليم، والإعلام، والمؤسسات الاجتماعية، تتحول القيم إلى ممارسة يومية، وتصبح الهوية الوطنية راسخة في السلوك قبل الشعارات. وبهذا النهج، يمضي الوطن بثبات نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، يليق بطموح قيادته، ويحقق تطلعات مجتمعه.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عبد الوهاب
[ جازان ]: 4 / 2 / 2026م - 1:20 م
محتاج أتواصل معك ضروري