آخر تحديث: 22 / 1 / 2026م - 11:59 ص

التحول الصحي.. الاستثمار في الإنسان

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

يمر التحول الصحي بمرحلة دقيقة وحساسة، وهي مرحلة طبيعية في أي مشروع وطني واسع يعيد تشكيل بنية التمويل، والحَوْكَمة، ونماذج تقديم الخدمة. وفي مثل هذه المراحل، يكثر النقاش، وتتعدد القراءات، وتظهر أحيانًا خطابات انفعالية تختزل التعقيد في سرديات مبسطة لا تخدم الإصلاح بقدر ما تُربك المشهد. وهنا تبرز أهمية الخطاب المتزن الذي يوازن بين دعم المسار العام ورصد فجوات التطبيق.

التحول الصحي ليس قرارًا إداريًا عابرًا، ولا يمكن تقييمه من زاوية واحدة أو من خلال مصلحة فئة بعينها. هو مسار طويل يتطلب قراءة شمولية، وشجاعة في الاعتراف بالتحديات، وحكمة في إدارة الموارد. وعلى رأس هذه الموارد يأتي الإنسان، باعتباره الركيزة الأساسية لأي نظام صحي فعّال ومستدام.

في النقاش الدائر اليوم، يُلاحظ أن بعض الطروحات اتجهت - عن قصد أو غير قصد - إلى خلق استقطاب مهني داخل المنظومة الصحية. تُطرح المقارنات، وتُغذّى الحساسيات، وتُختزل التحديات في ثنائية طبيب مقابل إداري أو تمريض أو أخصائي غير طبيب. هذا النوع من الخطاب، حتى وإن انطلق بدافع الحرص على الحقوق، إلا أنه عمليًا لا يخدم الإصلاح، بل يُضعف الثقة المتبادلة ويُبعد التركيز عن أصل المشكلة: تصميم السياسات والنماذج التشغيلية.

الحقيقة التي يعرفها العاملون في الميدان أن الرعاية الصحية لا تقوم بمسمى وظيفي واحد، ولا يمكن أن تنجح دون تكامل الأدوار. فالطبيب يحتاج إلى إدارة تنظيمية تحمي وقته وتُحسن تدفق العمل، ويحتاج إلى تمريض مساند وأخصائيين يُكملون رحلة التشخيص والعلاج والتأهيل. وفي المقابل، لا يمكن لبقية المكونات أن تؤدي دورها بكفاءة في غياب قرار طبي مهني مستقل ومحمِي. المنظومة الصحية وحدة واحدة، وقوتها في انسجامها لا في تجزئتها.

ومع ذلك، فإن الاعتراف بالتكامل لا يعني تجاهل التفاوت في العبء التشغيلي. ففي الرعاية الصحية الأولية على وجه الخصوص، يتحمّل الطبيب مسؤولية الواجهة التنفيذية للنظام. المواعيد تُربط باسمه، التقييم يُنسب إليه، والشكاوى تمر عبره، فيما يتراكم الضغط الزمني على قراره اليومي. وفي كثير من النماذج الحالية، تظل مرونة الجدولة محدودة، والحماية الفعلية لوقت الراحة غير كافية، لأن التصميم التشغيلي افترض قدرة التحمل بدل أن يُبنى على مفهوم الاستدامة.

هذا الطرح ليس تحميلًا للمسؤولية على جهة بعينها، بل توصيف لتحدٍ بنيوي يستدعي المراجعة. فالتحول، إذا لم يُصاحبه ضبط دقيق لعبء العمل وتوزيع الأدوار ومسؤوليات الجدولة، قد يُنتج نموذجًا يبدو أكثر كفاءة على الورق، لكنه أكثر استنزافًا على أرض الواقع. ولا يمكن الحديث عن جودة أو كفاءة إنفاق في ظل إنهاك مستمر لمقدّم الخدمة الأساسي، لأن الإرهاق يؤثر مباشرة على القرار، والأداء، وسلامة الخدمة.

التحول الصحي في جوهره مشروع استثماري طويل المدى. والاستثمار الحقيقي لا يقتصر على البنية التحتية أو الأنظمة التقنية، بل يشمل بناء بيئة عمل تحمي القرار المهني، وتعزز الثقة، وتؤمن بأن الإنسان ليس عنصر تكلفة، بل أصل استراتيجي. فالنظام الذي يستثمر في عقول منسوبيه، ويُحسن إدارة طاقتهم، هو الأقدر على تحقيق أهداف التحول واستدامته. أصحاب القرار اليوم أمام فرصة مهمة لتعزيز هذا النهج، عبر ترسيخ تواصل داخلي فعّال، وحوكمة واضحة لعبء العمل، وآليات إصغاء تحول الملاحظات الميدانية إلى قرارات تطويرية.

التحول الصحي ماضٍ، والاتجاه العام صحيح، غير أن نجاحه على المدى الطويل مرهون بقدرتنا على حماية الإنسان داخل النظام، لا استهلاكه. وحين نفكّر معًا لا ضد بعضنا، ونُقدّم الحلول المؤسسية بدل تبادل الاتهام، نكون قد خدمنا التحول ذاته، ورسّخنا أسس نظام صحي أكثر نضجًا واستدامة.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي