آخر تحديث: 22 / 1 / 2026م - 11:59 ص

التفاهة الشعرية

محمد الحرز * صحيفة اليوم

في السنوات الأخيرة، صار مفهوم التفاهة أحد أكثر المفاهيم التباسًا في التصورات الذهنية عن الشعر لدى عدد من شعراء الجيل الحالي. التفاهة هنا لا تشير إلى ضعف لغوي مباشر أو فقر بلاغي، بل إلى حالة فكرية أعمق، تتصل بطريقة حضور الشاعر في العالم، وبمدى وعيه بما يكتبه ولماذا يكتبه. ومن قناعتي التامة حوّل هذا الأمر، فإن التفاهة ليست نقيض الشعر، بل لحظة انهياره حين يفقد علاقته بالقلق، وبالسؤال، وبالمخاطرة.

الفيلسوفة حنة آرندت صاغت مفهوم «تفاهة الشر» لتصف كيف يمكن لأفعال خطيرة أن تصدر عن بشر عاديين لمجرد أنهم توقفوا عن التفكير. وإذا أُسقط هذا المفهوم على الشعر، أمكن القول إن التفاهة الشعرية تنشأ حين يتوقف الشاعر عن التفكير في لغته بوصفها مسؤولية. القصيدة لا تكون تافهة لأنها بسيطة، بل لأنها كُتبت بلا وعي، بلا مساءلة، وبلا إدراك لأثرها. هنا تتحول الكتابة إلى فعل آلي، يشبه التكرار أكثر مما يشبه الاكتشاف.

ومن جهة أخرى، يقدّم مارتن هايدغر مفهوم الوجود الزائف أو العيش وفق ما هو شائع «das Man»، حيث يتكلم الفرد بلغة الآخرين، لا بلغته الخاصة. هذا المفهوم يفسّر جانبًا كبيرًا من التفاهة في الشعر المعاصر، إذ نجد شعراء يكتبون بالطريقة نفسها، عن الموضوعات نفسها، وبالنبرة نفسها. الشاعر لا يخاطر بالخروج عن المألوف، بل يكرّسه، فيتحول النص إلى صدى لما هو متداول، لا إلى صوت.

أما نيتشه، فقد ربط التفاهة بما سماه «الإنسان الأخير»، ذاك الذي يهرب من الألم، ويبحث عن الراحة، ويخشى كل ما يزعزع استقراره. في الشعر، يتجسد هذا الإنسان في النص الآمن، الذي لا يجرح، ولا يستفز، ولا يضع القارئ أو الكاتب في مأزق. قصيدة مصقولة، مهذبة، لكنها بلا أثر. وهذا ما يجعل التفاهة اختيارًا غير معلن: اختيار السلامة بدل المغامرة.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور الحاسم الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في صناعة التفاهة وتطبيعها. هذه الوسائل لا تكتفي بنقل النصوص، بل تعيد تشكيل بنية الكتابة نفسها. فالقصيدة تُكتب اليوم وهي تفكر مسبقًا في قابليتها للاقتطاع، في إمكانية تحويلها إلى «اقتباس»، في قدرتها على حصد الإعجابات.

وهكذا يُضغط الزمن الشعري الطويل، زمن الشك والتعديل وإعادة الكتابة، ليحل محله نص سريع، مباشر، قابل للفهم الفوري. الخوارزميات تكافئ الواضح، العاطفي السريع، وتُقصي النص الملتبس، المتوتر، الذي يحتاج إلى صبر. وبهذا المعنى، لا تُنتج وسائل التواصل التفاهة فقط، بل تجعلها معيارًا غير معلن للجودة.

هذا ما يجعل تحذير ت. س. إليوت من عالم «تتراكم فيه المعلومات ويختفي فيه المعنى» أكثر راهنية من أي وقت مضى. كما يصبح سؤال راينر ماريا ريلكه: ”هل يجب أن أكتب؟“ سؤالًا مضادًا لمنطق المنصات، التي تستبدله بسؤال أكثر سطحية: هل سيُتداول النص؟ هنا يُختزل الشعر إلى أثر اجتماعي، لا تجربة وجودية.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن التفاهة فيما نقرأه من شعر في مشهدنا الراهن ليس مشكلة موهبة، بل مشكلة سياق. سياق ثقافي وإعلامي يشجع السهولة، ويكافئ التكرار، ويخشى الغموض. ومثلما ألمحنا أكثر من موضع في أغلب ما نكتب، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في الخطأ أو التجريب الفاشل، بل في الاطمئنان الكامل إلى اللغة.

في النهاية، التفاهة ليست عيبًا أخلاقيًا ولا حكمًا ذوقيًا، بل علامة على انقطاع التفكير. وحين يستعيد الشاعر قلقه، ويقاوم إغراء السهولة، ويكتب ضد منطق السرعة، تستعيد القصيدة ثقلها. عندها فقط يعود الشعر مغامرة معرفية، لا منتجًا للاستهلاك.