ساعتئذٍ… حلال
عام 1996 م، حين كنتُ وزملاءَ عملٍ آخرين، منتدبين في مدينة طوكيو باليابان للإشراف على إنجاز أعمال هندسية لمشروع ضخم، تمت دعوتنا لتناول وجبة غداء «غداء عمل» من قبل الشركة اليابانية المنجزة للعمل. عرض نادلُ المطعم الفاخر مشروبات كحولية للحضور فردًا فردًا، فأعرضتُ وأحدُ الأصدقاء عن المشروب. فتساءل أحد زملاء العمل اليابانيين عن سرّ شرب بعضهم للكحول وإعراضي وصديقي عنه، رغم أنه نبيذ غالِ الثمن. فقلت له: شرب النبيذ لدينا - كمسلمين - حرام؛ وبعضهم ملتزم بذلك الحكم، وبعضهم الآخر غير ملتزم به.
حاليًا، انتشر مصطلح ”أكل حلال / لحوم حلال“ في ديار الغرب والشرق والشمال والجنوب من الكرة الأرضية كانتشار النار في الهشيم، لا سيما مع انتشار المسلمين في أصقاع الأرض. حتمًا هناك إفرازات ثقافية كبيرة وكثيرة تنتج عند تواصل أبناء الحضارات والديانات المختلفة من خلال مفردات لغوية تنعكسُ على أصناف الطعام، وأصناف الشراب، وأنواع العلاقات بين الجنسين، وصيغ عقود الزواج، ومفردات التعاملات البنكية، والتعاملات التجارية، وأصناف عقود العمل.
سواء أذهبت أقصى الشرق حيث المدن الصينية كشنغهاي أو بكين أو غوانزو أو عاصمة بلاد الشمس «طوكيو - اليابان»، أم ذهبت أقصى الغرب كمدينة فانكوفر أو ساو باولو، أو لوس أنجلوس، أو أقصى الشمال حيث مدينة كيوبك سيتي ومونتريال، أو أقصى الجنوب حيث مدينة كيب تاون وجوهانسبرغ وسيدني وملبورن و”غولد سيتي“، فإنك حتمًا ستجد لوحة مؤطرة بكلمة ”حلال“ عند مداخل بعض المطاعم والبوفيهات، لا سيما الشرق أوسطية التي تبيع في المجمل الكباب بأنواعه والشاورما والستيك والبرياني. حتمًا أُثير ويُثار وسيُثار النقاش عن دلالة الكلمة ”حلال“ في ذهن قارئها الشرقي والغربي على حد سواء. وأضحت كلمة ”حلال“ علامةً تجاريةً عالميةً وتجارة ترخيص دولية تُجنى منها أموال طائلة.
جملة اعتراضية: بينما بعضهم مشغول في نقد وصحة رسم كلمة ”ساعتئذٍ“، هناك آخرون - ولهم نرفع القبعة - أصّلوا تطبيقيًا لثقافة الأصالة عبر فتح مشاريع في بلاد الاغتراب. انتهت الجملة الاعتراضية.
في المقابل، هناك أشخاص غربيون وصينيون وأفارقة وبرازيليون وأوروبيون وأستراليون وكنديون ويابانيون ذهبوا للبحث عن مصطلح ”حلال“ ومضامينها ودلالتها وسبب التسمية ومرادفها ونطاق استخدامها، والضد اللغوي لها أي ”حرام“، ودلالاته اللفظية والقانونية والسلوكية والتربوية. قد يقف بعض أبناء الشرق الأوسط متعجبًا من الأصداء التي أحدثتها مفردة ”حلال“ وكلمة ”حرام“ لدى الجيل الصاعد من أبناء الشرق والغرب. حتى إن إحدى الفتيات الغربيات أصدرت فيديو عن الخسائر المتوقعة للشركات لو تم منع صناعة وتعليب وتسويق وشرب الخمور / لحم الخنزير، أو منع العلاقات الجسدية المحرمة «تجارة الجنس»، أو منع الربا. واستدلت تلك الفتاة بعد عرضها ذاك على نسف كل سرديات الشركات الملفقة والكاذبة، وتعاضد وجوب الاهتمام بالأكل الحلال والعلاقات الإنسانية الطاهرة، والامتناع عن الكذب، وتجريم الكيد التضليلي ضد الدين الإسلامي. واستدلت بعد عرضها ذاك على علة محاربة بعض الشركات للإسلام النقي الأصيل التي لا تريد أن تخسر بسبب كلمة ”حرام“.
يعتمد الكثير من الناس على الأخبار المتناقلة في وكالات الأنباء العالمية كمصدر وحيد وأوحد للحقائق. والواقع أن ما تنقله معظم وكالات الأخبار العالمية قد يكون انحيازيًا أو لديه أجنداته، أو خاضعًا لأجندات غيره. وعليه؛ تذكّر أن الأخبار تنقل بعض الأمور وتُغفل أمورًا أخرى عمدًا. الكلمة في اللغة تحمل مضامين وتعمل ما هو أقوى من التضليل، وتفضح برامج قلب الحقائق وخنق دلالات الألفاظ. فكلمة ”حلال“ أضحت مفردة واضحة المعالم في أمور متعددة، وحفزت بعضهم لقراءة أفكار وأطروحات الإسلام في قضايا الأسرة، وآداب الطعام، وحقوق الجيران، والقروض البنكية، والعلاقات الزوجية… إلخ.
أخي القارئ، عند سفرك أصرّ على طلب أكلٍ حلالٍ وشرابٍ حلالٍ، واجعل علاقاتك في دائرة الحلال، وكلامك وسلوكك في دائرة الحلال؛ فإنك مرآة نفسك وأهلك ومجتمعك ودينك. وتذكّر ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق - 14].

















