آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 1:13 م

السيد علي ناصر السلمان… رحيل القطب حين يغيب الرجال الذين كانوا أمّة

برحيل القطب والرحى، فقدت الساحة الاجتماعية والوطنية أحد أعمدتها الراسخة، ورحل آخر كبار سادة السلمان وزعيمها، وغاب وجه من وجوه الحكمة التي ندر أن يجود الزمان بمثلها. رحل العلامة السيد علي ناصر السلمان «أبو هاشم»، فغاب معه ثقل الزعامة الأصيلة، وتوارت ملامح القيادة التي لا تتبدل بتبدل الظروف، ولا تهتز أمام العواصف.

لم يكن الراحل الكبير مجرد اسمٍ في سجل الرجال، بل كان حالة متكاملة، وضميرًا حيًا، ومجتمعًا نابضًا يسكن قلب رجل. كان أمةً في رجل، ورمزًا وطنيًا تنحني له القلوب إجلالًا قبل أن تنحني الرؤوس احترامًا، وتلهج الألسن بذكره فخرًا واعتزازًا. حضوره لم يكن شكليًا، بل كان حضور معنى، وسكينة، وثبات، وبوصلة تُهتدى بها حين يشتد الالتباس.

كان السيد علي ناصر السلمان سراجًا مضيئًا في المجالس، لا يعلو صوته إلا بالحق، ولا يتقدم إلا بالحكمة، ولا يحضر إلا ومعه أثرٌ يُبقي للمكان هيبته وللكلمة وزنها. يشدّ الأزر بإرادة لا تعرف الوهن، ويعلّم من حوله أن المواقف لا تُصنع بالخطب، بل تُخلّد بالفعل الصادق، وبالثبات حين تتكاثر الضغوط وتضيق الخيارات.

اجتمعت في شخصيته نُدرة الاكتمال؛ عالمٌ راسخ العلم، لا يتعالى به علمه على الناس، وقائدٌ اجتماعي واعٍ، يقرأ النفوس كما يقرأ الوقائع، وعقلٌ وطني متقدّم الصفوف، لا يساوم على المبادئ، ولا يُقايض الوطن بالمصالح. جمع بين عمق الفكر وسداد الرأي، وبين حلم العالم وحزم القائد، فغدا مدرسة حيّة في القيادة، ومنارة وعي في زمن كثرت فيه الأصوات وقلّت فيه الحكماء.

كان يرى ما وراء الحدث، ويفهم ما خلف الكلمات، ويقرأ المستقبل بعين المسؤول لا بانفعال اللحظة. لم يكن تقليديًا في رؤيته، ولا أسيرًا للمألوف، بل نافذ البصيرة، بعيد النظر، يصنع التوازن حين يختلّ، ويُطفئ الفتنة قبل أن تستعر، ويجمع المختلفين على كلمة سواء حين تتباعد الصفوف. حضوره كان طمأنينة، وكلمته كانت ميزانًا، وموقفه كان عنوانًا للثبات والرجولة.

ولم تكن مكانة السيد علي ناصر السلمان وليدة ظرفٍ عابر، ولا نتاج موقعٍ اجتماعي فحسب، بل ثمرة مسيرة طويلة من الصدق، وحسن التدبير، والوقوف الدائم إلى جانب الناس في أفراحهم وأتراحهم. كان قريبًا من الجميع، يسمع قبل أن يتكلم، ويحتوي قبل أن يحكم، ويقدّم الحكمة في أثواب الرحمة، فيشعر كل من يجالسه أنه مع أبٍ ناصح، وقائدٍ أمين، وملاذٍ آمن عند اشتداد الضيق.

عرفه الناس رجلَ إصلاحٍ لا صدام، وجمعٍ لا تفريق، وبناءٍ لا هدم. إذا احتدم الخلاف كان أول الحاضرين لإطفائه، وإذا تباعدت القلوب كان جسرها المتين، وإذا تعقّدت الأمور بسّطها بعقله الراجح وكلمته الصادقة. لم يسعَ إلى الأضواء، لكنها كانت تأتيه احترامًا، ولم يطلب الزعامة، لكنها كانت تفرض نفسها عليه بما يحمل من ثقل الحكمة وصدق الموقف.

وكان وفاؤه للمجتمع ثابتًا لا يتبدل؛ يحمل همومه كأنها همومه الخاصة، ويغلب المصلحة العامة على كل اعتبار، مؤمنًا أن بقاء المجتمعات إنما يكون برجالٍ يتقدّمون الصفوف عند الشدائد، ويقفون خلف الناس عند الإنجازات. هكذا عاش، وهكذا رحل، تاركًا أثرًا لا يُمحى، وسيرةً تُروى، ونهجًا يُحتذ.

وتجاوزت بصمات الفقيد السيد علي ناصر السلمان حدود العطاء العلمي والدعوي، لتتجسّد بوضوح في ميادين العمل المؤسسي والإنساني، حيث كان من أوائل الداعمين والمؤسسين لعدد من المشاريع الاجتماعية النوعية التي لامست احتياجات الناس المباشرة، وفي مقدمتها مركز الكشف المبكر عن السرطان، إلى جانب مركز صحي متكامل في محافظة القطيف، في خطوة تعكس وعيه العميق بأهمية الوقاية الصحية، وربط الرسالة الدينية بخدمة الإنسان وحفظ كرامته وحياته.

وقد شكّلت هذه المبادرات امتدادًا طبيعيًا لرؤيته الإصلاحية الشاملة، التي لا تفصل بين العبادة والعمل، ولا بين التوجيه الروحي والمسؤولية الاجتماعية، بل ترى في خدمة الإنسان وجهًا أصيلًا من وجوه الدين. ومن هنا جاءت سيرته نموذجًا فريدًا للقيادة الدينية الواعية، التي تنصت لهموم الناس، وتترجم القيم إلى مؤسسات فاعلة، وتوازن بحكمة بين الخطاب والممارسة.

ولذلك لم يكن رحيله حدثًا عابرًا، بل خسارة شعرت بها الأوساط العلمية والاجتماعية معًا، حيث نعت شخصيته بوصفها واحدة من القامات التي جمعت بين العلم والبذل، وبين الحكمة والمبادرة، وخلّفت أثرًا باقياً سيظل حاضرًا في الذاكرة الجمعية، وقدوة ملهمة للأجيال الحالية والقادمة في العطاء، والعمل الصامت، والالتزام الصادق بخدمة المجتمع والإنسا

وبرحيل السيد علي ناصر السلمان، أُظلمت ساحاتنا الاجتماعية، وارتجّت أركانها حزنًا. انكسر شيء في القلوب، وتصدّعت معاني الطمأنينة التي كان يبثها وجوده. كم من مجلسٍ افتقد صوته، وكم من قضيةٍ كانت تنتظر حكمته، وكم من نفوسٍ كانت تستمد من حضوره ثباتها وهدوءها. كان جبلًا في صلابته، وبحرًا في عطائه، وشجرة وارفة نستظل بها في قيظ المحن، ونستمد من جذورها الصبر والعزم.

أيها الراحل الكبير، إن غيابك ليس غياب جسدٍ عن دنيا الفناء، بل غياب مرحلةٍ كاملة، وغياب مجتمعٍ كان يسكن قلب رجل. تركت فراغًا لا يملؤه أحد، لكنك خلّفت إرثًا من القيم والمواقف سيبقى شاهدًا عليك، يُروى للأجيال القادمة، ويُذكّرهم أن العظماء لا يموتون، بل يتحوّلون إلى ذاكرة حيّة، وإلى ضمير يقظ، وإلى نبراس يهدي الطريق كلما أظلمت الدروب.

وسلام عليك يوم وُلدت، وسلام عليك يوم عشت كريمًا شريفًا، وسلام عليك يوم رحلت مكرّمًا، وسلام عليك يوم تُبعث حيًّا في ذاكرة الوطن، وبين الخالدين.

استشاري طب أطفال وحساسية