آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 1:17 م

من عبق الماضي: ذاكرة الطفولة بالقطيف ”الغزيل“

حسن محمد آل ناصر *

القطيف غنية بتراثها الشفهي والحكايات الشعبية التي شكلت أحد معالمها البارزة الزاخرة، حيث كانت تُروى للأطفال في البيوت القديمة، وخاصة بالمجالس، كسبيل للتسلية وأيضًا لغرس وبناء الخيال والقصص، ومن تلك الحكايات تبرز خرافة ”الغزيل“ بوصفها نموذجًا لذاكرة الطفولة، وحكاية تحمل بين بساطتها ملامح من الحكمة والبراءة التي طبعت المجتمع القطيفي في زمن مضى.

كما في سائر البيئات التي عاشت على تماس يومي مع البحر والنخل والمجالس المفتوحة، لم يكن التراث محصورًا في العمران أو المهن أو الأطعمة، لكنه، امتد إلى الحكاية الشفهية التي شكلت وجدان الطفولة، وأثرت في الخيال الجمعي، كان ”الغزيل“ يُستدعى في الحكايات التي تُروى للأطفال لا باعتباره شخصية واقعية، بل ككائن تخييلي ذي حضور غامض يظهر فجأة ليلاعب الطفل بالكلمة والموقف، فيقال إنه يأتي في أقرب هيئة إلى الملاك، ويخاطب الطفل بخبر ثقيل: وفاة الأب، فيسكن الصمت لحظة، ويتنهد الطفل ويغلبه البكاء، ثم لا يلبث الغزيل أن يعود ليقول إن الأم قد فارقت الحياة كذلك، وهنا تنقلب الحكاية، إذ يضحك الطفل ببراءة ويرد بثقة فطرية: كيف تموت وأنا ما زلت أرتضع منها؟

تكشف هذه الخرافة كما رُويت في القطيف عن عمق في البناء الرمزي للحكاية الشعبية، فهي لا تقوم على التخويف المجرد، لكنها تقوم على المفارقة، حيث يُقهر الخيال المقلق بحقيقة الحياة اليومية؛ الأم الحاضرة، والحليب الذي لم ينقطع، يصحبان حجة واقعية تسقط الوهم وتمنح الطفل شعورًا بالأمان، فيتحول الخوف إلى ابتسامة.

كانت مثل هذه الحكايات تُروى في البيوت القديمة، وفي المجالس المسائية، وبين جدران الطين وسقوف الجريد، حيث يجتمع الصغار حول الكبار طلبًا للقصص، ولم تكن الغاية إخافة الأطفال بقدر ما كانت تُدرّبهم على الإصغاء، وعلى مواجهة الفكرة المخيفة برد بسيط يعكس صفاء الذهن وقوة البراءة.

يمثل ”الغزيل“ في الذاكرة القطيفية نموذجًا للخرافة غير المادية، ذلك التراث الذي لا يحفظ في المتاحف، تُسمع من الصدور، ولا يُكتب بالحبر، ويُستعاد بالسرد والفكر؛ خرافة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها، لأنها تنتمي إلى زمن كانت فيه الحكاية وسيلة للتواصل والتربية وبناء خيال جماعي لأبناء القطيف.

تبقى خرافة ”الغزيل“ شاهدًا على مرحلة من الحياة الاجتماعية في القطيف، أجل مرحلة مرت بنا، وكانت من طفولتنا تُصاغ بالحكاية، ويؤنس فيها الخيال بالضحك، ويُروّض الخوف بالكلمة.