آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 9:49 ص

قصص غير مكتملة السرد

المهندس أمير الصالح *

هناك قصص غير مكتملة السرد إلا أنها تُروى، وهناك روايات لم يمل الأدباء من تصفّحها، وهناك أحداث من الجميل تجديد تفحّصها واستنطاق جوهرها ومضامينها. عنوان المقال اقتبسته من مجموعة قصص تحمل ذات العنوان (Unfinished Tales) للكاتب الراحل (J.R.R. Tolkien)، والتي حررها (Christopher Tolkien).

وهي قصص مستوحاة من الخيال. أما قصصنا المدونة أدناه، فإنها مستوحاة من الواقع والحقيقة. سنسرد بعضها تباعًا، وسنسرد بعضها الآخر في كتاب سيتم إصداره بعد التجميع والتنقيح وتحريره بعد السفر والترحال في بلدان القارات والحضارات المتنوعة، والقراءة المستمرة لإصداره لاحقًا، وتشمل حكايات عن كل مكان وطأته قدماي.

الحلقة الأولى: نبتة العمل الصالح

سرد الموقف:

كان لأحد إخواني زميل عمل على امتداد عدة سنوات، وهو من إحدى الدول العربية؛ وتطورت تلكم العلاقة الحسنة بينهما إلى حد تكوين صداقة متينة وممتدة يسودها الوفاء والاحترام والمودة والإقرار بالجميل. كان أخي ممن يحتفون بأصدقائهم من كل الأطياف والجنسيات والأعراق بكل أصناف الترحاب والضيافة والكلام الدمث والاحترام. وكان أخي يحتفي ويوجه الدعوة لأصدقائه لحضور المناسبات الاجتماعية الفلكلورية وبعض الأعياد على امتداد سنين.

لم يتسنَّ لي شخصيًا أن ألتقي أو أتعرف على ذلك الشخص العربي المحترم على امتداد وجوده بأرض الوطن. افترق أخي وصديقه عام 2018 م، واتخذ ذلك الصديق العربي إحدى الدول الغربية موطنًا بديلًا بسبب الحروب في بلده الأم؛ واستقر وعمل في غربته بعد حصوله على جنسية ذلك البلد. وحتى مع البعد الجغرافي الذي يتجاوز العشرة آلاف كيلومتر ونيف، إلا أن التواصل بينه وبين أخي قائمٌ ويحمل شيم الوفاء والاحترام وصدق المشاعر الطيبة.

وتصادف عند دخولي لأرض تلكم الدولة الغربية في زيارة سياحية عابرة، أن قدّمت أوراقي الثبوتية للموظف الحكومي المدني، وأردفت ذلك بإلقاء التحية المرادفة لجملة ”السلام عليكم“ باللغة الأجنبية بقول (Bonjour)؛ موقنًا في نفسي بأنه سيرد علي باللغة ذاتها، أي الفرنسية أو اللغة الإنجليزية. بمجرد أن رأى الموظف وجهي في البطاقة وقف مذهولًا ودون قراءة الاسم أخذ يقول بصوت مسموع وواضح باللغة العربية: (معقول! يالله يالله).

تفاجأت بنهوضه وبخروجه من مقصورة التي يعمل بها واستدارته ثم توجهه نحوي. الصالة كانت مفتوحة للمراجعين، والرجل العربي متوجهٌ نحوي في حالة تعبر عن الشوق والحب والحنين؛ وأنا حينذاك منذهل، وأفكار كثيرة تراود عقلي، إلا أنني مستيقنٌ ومطمئن بأن الأمور إلى خير.

فأخذ الرجل، ومن دون سابق إنذار، يحتضنني ويقول بصوت مسموع: (معقولة، أنت علي… والله لم أصدق عينيَّ… الشوق لك كبير يا علي… لا أصدق عينيَّ). انذهل كل من كان في صالة المراجعين؛ فقلت له، وقلبي يحدثني بأن الموظف واهمٌ أو لم يقرأ الاسم الوارد بالوثيقة جيدًا: أنا اسمي أمير… وكررت ذلك ثلاث مرات. والموظف لا يزال محتضنًا لي أمام صدمة وذهول كل المراجعين في القاعة، وحتى موظفو الأمن في ذهول.

طفحت مشاعر إنسانية نبيلة مختلطة طرأت على كل الحضور! فأخذت أربّت على ظهر ذلك الموظف العربي المحترم، وقلت له: قد تقصد أخًا لي اسمه علي… فقال: سبحان الخالق المصوّر، هل أنتما توأم؟ فقلت له: نحن أخوان… فاسترسل قائلًا: علي… أنت علي… اصدقني القول. فقلت له: أنا أمير… ويمكنك التحقق من وثائقي.

صادف أن يكون ذاك الموظف هو نفسه ذاك الصديق العربي المخلص لأحد إخواني، والذي غادر بلادنا قبل حوالي عقد من السنين. فأخذ يقلب الوثائق الرسمية، ثم انفجر عاطفيًا معبرًا عن اشتياقه لعلي، وباستحضار ذكرياته الزكية والعطرة والجميلة بأخي علي، وأيام عمله بمدينتنا، وذكريات زيارته له بالبيت، وحنينه لتلكم الوجوه الطيبة. وأكد أنه ما زال على تواصل مع أخي بين الحين والآخر، مع إجلاله لقدر الأخ علي.

الحوار:

شخصيًا أصادف أناسًا كُثُرًا في مناسبات مختلفة في أنحاء مترامية الأطراف من أرجاء المعمورة، وفي داخل أرض الوطن. اللقاء ببعض الأشخاص الأوفياء والطيبين والمهذبين، ممن يحفظون الجميل والعشرة الجميلة، يحفزني للتعرف على المزيد من الناس والتعامل معهم بكل أريحية ولطف واحترام لكسبهم وزرع المعروف وصنع الجميل معهم؛ وهذا فضل من الله جل جلاله يهبه للخلق ممن توالفت أرواحهم.

في بقاع عديدة من العالم وداخل أرض الوطن تتعدد النفوس، ولكن لكل منها بصمة؛ وخير الأنفس من ترك بصمة جميلة وبذرة نافعة وكلمة طيبة ويدًا بيضاء وصنيعًا جميلًا. قابلت عددًا ليس بالقليل من أولئك الطيبين، والذين عبروا أكثر من مرة عن امتنانهم لوالدي أو أحد إخواني، لا سيما الإخوة: عبد العزيز، وعلي، ويوسف، ومحمد، وابن خالي المرحوم صالح، والدكتور عبد الله، والخال المرحوم علي، والخال المرحوم مهدي، ومنصور، وامتداح الناس لهم بطيب الأصل وحسن العشرة وجميل اللسان وكرم الضيافة وطلاقة الوجه ورحابة الصدر ورقي التعامل وطهارة القلب والوفاء بالعهود.

وآخرون ممن قابلتهم وقفوا احترامًا وإجلالًا لمجرد معرفتهم ببعض الأفراد من عائلتي أو أقاربي أو أصدقائي أو أبناء مسقط رأسي أو أبناء وطني المحترمين؛ وعبروا عن امتنانهم، وأبديت لهم الثناء على حسن الحفاوة بي وجميل التعامل معي. وهم يقومون بذلك دون رجاء لمصلحة أو طمع بمال أو تزلف أو رياء أو خوف أو نفاق، وإنما ردًّا للجميل وإقرار بالمعروف. فكنت لله بذلك كله شاكرًا، وللأشخاص الذين تركوا الانطباع الجميل مثنيًا. فدوّنت الأسطر لترك الأثر معلومًا، والسردية ما زالت غير مختومة.

الحياة بكم أجمل

أثبتت لي الأيام والتجارب بأن المزيد من المعارف والأصدقاء الأجاويد وصانعي الإحسان والمبادرين بالجميل هو كنز غير ملموس ماديًا، ولكن له آثار ومردود معنوي لا يمكن وصفه. وشخصيًا ممتن بالخصوص للكثير من أهل مسقط رأسي (الأحساء) الطيبين، العفيفين، الوقورين، الكريمين، البشوشين، الأوفياء، حَسَنِي العشرة، وممتن بالعموم لأهل المنطقة الشرقية المتواضعين والودودين والمتعاونين، وممتن كذلك لعموم أبناء وطني لطيب أخلاقهم وتواضعهم وأصالة تربيتهم ودماثة مجالسهم ورجولة مواقفهم.

مطلب صغير

لمست بأم عينيَّ آثارًا طيبة لنتائج التعامل الحسن الذي وقع ويقع على أشخاص عديدين في أنحاء العالم، كانوا يومًا من الأيام يعملون ويدرسون ويسكنون بيننا وفي مدننا وقرانا وفي وطننا. فكانوا، وهم الأغلب بحمد الله، أهل وفاء وأهل حفظ للجميل، ويبادلون المعروف بالمعروف، والوفاء بالوفاء، والإحسان بالإحسان، ولم يتنكروا لأهل مدينتي ووطني، وكانوا من المادحين والشاكرين لجميل التعامل معهم.

فأرجو من كل أبناء وطني، لا سيما الشباب، التمسك بحسن المعاملة وببذل المعروف وطيب الكلم والمبادرة بالإحسان، وتجنب شتم الغريب أو الاستخفاف به أو التحريض عليه أو الابتزاز له أو التلكؤ في إعطائه حقوقه أو سلبه ماله؛ فإن الخير يؤتي أُكله ولو بعد حين، والشر يرجع على أصحابه ولو بعد حين.

وأرجو التمسك بالإرشاد القرآني والهدى النبوي الأصيل في مكارم الأخلاق، وهو بذل الكلمة الطيبة لأنها كشجرة طيبة، وألا يتلفظ أو يكتب أو يتحدث أي شاب أو فتاة أو رجل أو طفل في العالم الرقمي أو الواقعي بفوقية على الآخرين أو دونية، ولا ينعت ولا يشتم أحدًا، حتى في العالم الرقمي؛ لأن العاقبة غير محمودة.

شكرًا للجميع

شخصيًا ممتن لكل من بادر ويبادر بصنع الجميل وخلق المعروف ونشر الكلم الطيب؛ فلولا صناع الجميل لأضحت الدنيا مليئة بالأزمات والاحتقانات والمعارك والتنابذ والتراشق والتلاسن والحقد والانتقام والكراهية. شكرًا لك يا أبي وإخواني وأبنائي، شكرًا لكم يا مربيي الأجيال والآباء الروحيين، شكرًا لكم يا رجال المدن الطيبين، شكرًا… شكرًا… شكرًا لكل أهل الجود والأدب والكرم والعدل والنشامى؛ فإنكم حيثما حللتم أو ارتحلتم تركتم بذرة خير وبصمة طيبة.

وهذه رسالة شكر مفتوحة أيضًا لأهل الجود والأدب بكل بقاع العالم، بكل أعراقهم وأديانهم وألوانهم، تعبيرًا لهم مني عن امتناني لهم في تجذير حسن المعاملة ومكارم الأخلاق مع الآخرين؛ فإن الحياة تكون أفضل بوجود الأخيار وبوجود حافظي الإحسان وصانعي المعروف.

للقارئ المحترم نقول: أنت قرأت وشاهدت وسافرت، فاملأ الحكايا بروايتك، واجعل من سرديتك سردية معرفية تعزز ثقافة (fill-in-the-gaps with good acts).