آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 9:49 ص

اليوم الأخير من رجب وقفة الختام والاستعداد لمعارج القرب

يمثّل اليوم الأخير من شهر رجب محطةً روحيةً جامعة في ختام الموسم العبادي الأول الذي يبدأ برجب ويتدرّج في معارج القرب حتى ينتهي بشهر رمضان المبارك وهو موسم اصطفاء إلهي تتدرّب فيه القلوب على الإقبال وتتهيّأ فيه الأرواح للانتقال من حال الغفلة إلى حال الحضور ومن الانشغال بالمألوف إلى التعلّق بالمطلق فشهر رجب لم يكن في وعي العارفين زمنًا عابرًا بل ميدان تربية وبناء تُعاد فيه صياغة العلاقة مع الله على أساس التوبة والإنابة والتوحيد الخالص

وقد جاء ختام هذا الشهر ليؤكّد أن العبرة ليست ببدايات مشرقة فحسب بل بحُسن الختام إذ تتكثّف في يومه الأخير أعمال مخصوصة تحمل دلالات عميقة في ظاهرها وباطنها فالغسل في هذا اليوم ليس مجرد طهارة حسية بل رمز للتجرّد من آثار الذنوب وتجديد للعهد مع الله قبل طيّ صفحة هذا الشهر الشريف وكأن العبد يُقبِل على ما بعد رجب بقلب أنقى ونية أصدق واستعداد أتمّ لمواصلة المسير.

أما صيام اليوم الأخير من رجب فقد وردت في فضله نصوص تدل على عظيم أثره إذ جُعل سببًا لغفران الذنوب ما تقدّم منها وما تأخّر في إشارة بليغة إلى أن باب الرحمة لا يُغلق وأن الخاتمة قد تعوّض ما فات وتُجبر ما قَصُر إذا صدقت النيّة وحضر القلب وهو صيام يرسّخ معنى الصبر والمراقبة ويُهيّئ النفس للانتقال التدريجي نحو صيام شعبان ثم رمضان دون فجائية أو انقطاع.

وتأتي صلاة سلمان المحمدي في هذا اليوم بوصفها ذروة الأعمال وخلاصة المسار العبادي في رجب صلاة تجمع بين الكثرة في العدد والعمق في المضمون فتكرار سور التوحيد والكافرون بعد فاتحة الكتاب ليس تكرارًا لفظيًا بل تثبيت لمعاني الإخلاص والبراءة وتجديد لعقيدة التوحيد الخالص وإعلان صريح بأن القرب الحقيقي لا يتحقق إلا بصفاء العقيدة وتحرير القلب من كل ما سوى الله.

وعقب الانتهاء من الصلاة يُستحب رفع اليدين بالدعاء المأثور الذي يختصر جوهر العبودية اعترافًا بوحدانية الله وسلطانه المطلق وحياته التي لا يعتريها موت وإقرارًا بأن الخير كله بيده وأن القدرة كلها له ثم تُختم الصلاة بالصلاة على محمد وآله الطاهرين بوصفهم الوسيلة والطريق وتجسيد الهداية العملية ويُتبع ذلك بالاعتراف بالعجز الإنساني الكامل عن الاستقلال بالفعل أو القوة دون عون الله فيتحوّل الدعاء إلى حالة خضوع تام وانكسار محمود يكون فيه القلب أقرب ما يكون إلى الإجابة.

إن مجموع هذه الأعمال لا يُقصد به أداء شعائر متفرقة بقدر ما يُراد منه ترسيخ مسار متكامل يبدأ بالتطهير ويمرّ بالتجديد وينتهي بالتسليم الكامل لله وهي رسالة واضحة بأن وداع شهر رجب ليس نهاية موسم العبادة بل عتبة عبور إلى مراحل أعمق من الوعي الروحي في شعبان ثم إلى الذروة الكبرى في شهر رمضان حيث تتضاعف الفرص وتتسع أبواب الرحمة ويُدعى العبد لأن يكون قد دخلها بقلب حاضر وروح مهيّأة ونية صادقة للسير إلى الله دون انقطاع.

استشاري طب أطفال وحساسية