آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 9:49 ص

«فنظر نظرةً في النجوم»

حسين مكي المحروس

حين نظر نبي الله إبراهيم إلى النجوم، ربما لم تكن تلك نظرة المشغول ببعد مسافاتها ولا بشدة سطوعها. السؤال الأعمق والأهم الذي كان يشغل باله هو كيف له أن يقنع قومه بأن هذه المخلوقات السماوية، على علو شأنها، لا تستحق أن تُعبد من دون الله؟ كانت تأملاته اختبارًا وانبهارًا، ولم تكن أبدًا خضوعًا أو عبادة لتلك النجوم. فالكون واسع أمامه، والسماء مزدحمة بالدلائل، لكن إبراهيم لم يقف عند ظواهر الأمور، فقد كان يصيغ القاعدة العقلية العملية لقومه المتمثلة في أن ما يقبل الأفول لا يصلح أن يكون إلهًا. هكذا بدأت رحلته من نظرٍ بتسليم إلى سؤالٍ يمقت التقليد الأعمى.

ما الذي نعرفه نحن عن هذا الكون الفسيح؟

الأرض ليست إلا جزءًا بالغ الصغر من ذلك الوجود الهائل المترامي الأطراف. نقطة تكاد لا تُرى في محيطٍ شاسع يُخيَّل إليك ألا حدّ له. مليارات المجرّات، ومسافات لو قيسَت بالزمن لاحتاج الضوء نفسه إلى ملايين السنين ليقطعها. ومع ذلك، تبقى الأرض - حتى الآن - هي الكوكب الوحيد الذي نعرف أن فيه حياة واعية تسأل وتتأمل وتتفكّر وتستنتج. إنها لمفارقة لافتة؛ كيف يمكن تصور كونٍ بهذا الاتساع، بينما الحياة تبقى فقط محصورة في ذرّة صغيرة منه، كل ذلك كاشف عن قدرة الله ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [النحل: 8].

لم يكن العالم في بداياته على هذه الصورة المتكاملة، إذ تشير الشواهد إلى أنه نشأ قبل نحو ثلاثة عشر أو ستة وعشرين مليار سنة، من جزءٍ واحد من المادة حينما تبقّى ذلك الجزء بعدما أُلغيت جميع أجزاء المادة مع أجزاء مادتها المضادة المقابلة لها بأمرٍ من الله وبمشيئته. بهذا الفرق الطفيف الوحيد المتبقي بينهما، بقي جزءٌ واحد من المادة لم يكن ليشمله الإلغاء، وقد كان كفيلًا بنشأة الكون بأكمله. إنه انحياز دقيق مقصود عن القاعدة التصفيرية، مما وفّر الظروف لأن يكون سببًا كافيًا ليبدأ كل شيء من ذلك الجزء. من جزءٍ صغير يتيم تكاثرت جميع ذرات الوجود، وتشكّلت النجوم، وامتدّت واتسعت في الآفاق.

كونٌ دأب على التمدّد باستمرار، بأجرام سماوية تتنافس فتسابق سرعة الضوء، في فضاء مجبول على الاتساع. مسافات تكبر، وكل شيء يبتعد عن كل شيء. ولقد استطاع العلماء تصوير الثقوب السوداء حتى مع عدم القدرة على رؤيتها، فاستعاضوا عن ذلك برؤية أثر غياب الضوء حولها دليلًا على وجودها. لقد عرفنا حدود الكون رغم أن ضوءه لم يصلنا كاملًا. قرأنا مكوّنات الأجرام البعيدة من خلال تحليل وتتبع توقيع الضوء ولونه واتجاهه. إنه حقًا علم هائل، يكشف لنا كيف يعمل الكون بانتظام دقيق شاهدًا على حكمة الخالق سبحانه وتعالى.

نريد أن نقف من جديد مع نبي الله إبراهيم بعدما نظر إلى النجوم ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: 89]. هل كان يشير إلى مدى ارتباطنا وسببية علاقتنا العضوية بالنجوم؟ إن العناصر التي تكوّن أجسادنا وتؤثر في أفكارنا ليست أرضية المنشأ، بقدر ما هي كونية الأصل. مثلًا، الحديد والكربون والأكسجين وغيرها من العناصر كانت قد تمخّضت ووُلدت في أعماق النجوم ومن رحم انفجاراتها، ثم إذا ما تناثرت بعد موتها، ما لبثت أن تجمّعت من الشتات من جديد لتكون نواة النشأة الأولى لكوكب الأرض. فالنتيجة أننا أبناء هذا الكون، نحمل في خلايانا بقايا انفجارات نجومه البعيدة وبصمات كواكبه وسمات مجرّاته. ومع ذلك، لم يرَ إبراهيم في هذا البعد من الدهشة بعظمة الكون مبررًا لعبادته. على العكس تمامًا، إذ أصر على أن يستنتج لقومه دليلًا عقليًا إضافيًا على أن كل ما يطرأ عليه الخلق والتحول والفناء والموت لا يستحق أبدًا أن يرتقي إلى مرتبة يكون فيها إلهًا يُعبد من دون الله سبحانه وتعالى.

فبدل أن يرفض إبراهيم حقيقة اتساع الكون ورحابته وعظمته، جعل منها سُلَّمًا إلى اليقين بالله وبقدرته: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [الأنعام: 79]. وهكذا، من جزءٍ متبقٍّ من المادة، إلى كونٍ متّسع، إلى فكرة في ذهن إنسانٍ يسأل؛ استلزمت نظرة إلى النجوم، فكانت طريقًا للوصول إلى الله والإيمان به.