آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 9:49 ص

التقنية وتقليل الصبر القرائي

يوسف أحمد الحسن * صحيفة القبس الكويتية

قامت التقنية بدور كبير جدًّا في نشر المعرفة لا يمكن إنكاره أو إنكار مساحات تأثيرها على مسار البشرية. فسهولة الوصول للمعلومة واتساع مساحة انتشار المعرفة أصبحا أهم سمات هذا العصر؛ حيث نجد المعلومة على بعد نقرة زر أو لمسة شاشة، بل حتى تحريك حدقة العين باتجاه معين. كما أن الوصول إلى معلومة ما أصبح سريعًا للغاية، بل أسرع مما يحتاج إليه أغلب الناس ربما. ولذلك لم تعد المشكلة في قلة أو ندرة المعلومة، بل في كثرتها مقابل قلة القراءة.

وقد خلقت ظاهرة سرعة الوصول إلى المعلومة، الناجمة عن القراءة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، حالة من عدم القدرة على الاستمرار في القراءة المطولة لدى عامة الناس، إذ لا يكاد القارئ يقرأ بضع صفحات حتى يفقد بعدها ما يسمى الصبر القرائي. كما أن من مظاهرها تقليبَ الصفحات للتقدم إلى صفحات أخرى في محاولة لإنهاء مادة الكتاب بأسرع وقت، أو تمرير الشاشات للأعلى في حال القراءة الرقمية.

وما أشبه هذه الحالة بحالة الإنسان ما بين الماضي القديم والحاضر، فبينما كان الإنسان الأول يقطع الصحاري والقفار في أسابيع وأشهر وحتى سنوات، تحت الشمس والمطر، حتى يصل إلى وجهته، نجده اليوم يتذمر إن طالت رحلته عدة ساعات، رغم الراحة والبذخ الذي قد يكتنفها، والذي كان يفتقده حتى ملوك وسلاطين العصور السابقة.

ولأن طبيعة المواد المعروضة رقميًّا في الوقت الراهن سريعة وذات محتوى قصير فقد أصبح القارئ يريد المعلومة السريعة بعدد حروف محدود جدًّا، مفضلًا الصورة على المادة المكتوبة، والمقطع المصور على الصورة، ويفضل على الأخير المقاطع المصورة القصيرة مثل سنابشات، وما يسمى القصص «Stories»، في بعض التطبيقات، التي لا تتجاوز الثواني المعدودة. ويعزز وجود هذه الحالة محركات البحث القوية التي تعطي أي معلومة بسرعة كبيرة، وكذلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تتزايد يومًا بعد يوم.

لذا نلحظ اليوم عدم قدرة كثيرين - خاصة من الجيل الجديد - على تحمل القراءة أو إكمال قراءة كتاب كبير، أو التفكير العميق؛ وذلك لاعتيادهم قراءة النصوص القصيرة، وسرعة نفاد صبرهم من الكتب أو النصوص الطويلة. هكذا فإن ما علمتنا إياه الإنترنت والتقنية من سرعة الحصول على المعلومة غيَّر علاقتنا مع الكلمة المكتوبة. وهو ما أشار إليه أحد أباطرة التكنولوجيا المعاصرين «إيلون ماسك»، حين سئل، في 9 ديسمبر 2025، عن أسوأ اختراع أضر بالبشرية فقال على الفور: ”الفيديوهات القصيرة“، ووصفها بأنها تعفن عقول البشر، وتسبب تشتتًا دائمًا، وتجعل الدماغ لا يركز أكثر من دقيقة. وانطلاقًا من ذلك فقد طبق ماسك القانون الأسترالي، الذي يحظر على من هم أقل من 16 عامًا دخول وسائل التواصل الاجتماعي، على منصة X.

ومع ذلك يمكننا تجاوز سلبيات التطورات التقنية والقراءة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي ببعض الجهد، وذلك بالتصميم على تخصيص أوقات للقراءة المعمقة البعيدة عن القراءة السطحية التي تفرضها بعض وسائل التواصل الاجتماعي. كما يمكن الدفع بأفراد المجتمع نحو تعلم بعض مهارات القراءات المعمقة والصبر القرائي عليها بعد معرفة حجم العائد المعرفي الكبير منها، وانعكاس ذلك على نفسية وسلوك القارئ وحتى مستقبله الوظيفي والحياتي، ووعيه بما يحيط به من ظروف أو مخاطر.

ولا بد أيضًا من تعلم كيفية تجنب المشتتات الرقمية في برامجنا اليومية، لا سيما خلال قراءاتنا المعمقة، التي تفقدنا بمرور الوقت القدرة على استيعاب ما نقرأ، والسلام النفسي اللازم لاستمرار حياة طيبة.