آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 9:49 ص

بداية النهاية

رائدة السبع * صحيفة اليوم

كيف تصبح المغادرة فعلًا من أفعال السعادة؟

كانت زميلتي امرأة متوترة على الدوام، قلقة، لا مكان للبهجة في حياتها. كل المؤشرات كانت تقول لي إنه يومًا ما ستغير كل هذا، وبمحض إرادتها. تأخرت كثيرًا، لكن في أحد الأيام قالت لي، بهدوء لم أعهده منها: «اليوم أنا أسعد من أي وقت مضى». لم يكن الوقت قد تغيّر، ولا الظروف انقلبت فجأة لصالحها. كل ما حدث أنها أنهت قصة استنزفتها لسنوات، قصة عاشت فيها على أمل مؤجَّل، وخوف دائم من كلمة: النهاية.

شخصيًا، مثل الكثيرين، أحب البدايات اللذيذة، لأنها تمنحنا شعورًا فوريًا بالمعنى. في البداية يبدو كل شيء مدهشًا، نتمسّك بالبدايات لأنها وعد، ولأنها لا تطلب منا شيئًا سوى التصديق. أما النهايات، فنخافها لأنها تُجبرنا على الاعتراف: ليس كل ما بدأ جميلًا سيستمر كذلك. النهاية لحظة صدق قاسية، تجرّدنا من الوهم، وتضعنا وجهًا لوجه أمام ما لم يعد صالحًا لنا. لذلك، نهرب منها، لا لأنها مؤلمة بالضرورة، بل لأنها أوضح مما نحتمل.

المفارقة أن ما نخافه في النهاية، نعيشه يوميًا حين نؤجّلها. العلاقات غير المنتهية، تتحوّل مع الوقت إلى استنزاف صامت. الاستمرار هنا لا يكون وفاءً، بل مقاومة متعبة للاعتراف بأن الكلفة أصبحت أعلى من الجدوى.

كثيرًا ما نخلط بين الوفاء والتعلّق. الوفاء فعل حر نختاره ونحن قادرون على المغادرة. أما التعلّق، فهو بقاء بدافع الخوف. حين نسمي العجز وفاءً، نمنح الاستنزاف شرعية أخلاقية لا يستحقها.

الإغلاق النفسي، على عكس ما نعتقد، ليس قسوة بل حماية. هو قرار داخلي بأن هذه الصفحة قد أُغلقت، حتى لو بقيت آثارها. لا ضعف في الإنهاء، بل محاولة صادقة لاستعادة التوازن. حين نُنهي بوضوح، نحرّر ذاكرتنا من الدوران، ونمنح مشاعرنا إذنًا بالهدوء. أن نغلق بابًا لا يعني أننا نكره ما كان خلفه، بل أننا لم نعد نريد العيش في الممر.

السعادة، في أحد أشكالها الأكثر نضجًا، هي أن نغادر دون ضجيج، ودون حاجة لتبرير طويل، ودون رغبة في الانتصار، ليست كل نهاية خسارة، بعض النهايات شكل هادئ من أشكال السلام.

أخيرًا دائما ما أذكر نفسي أنني أمتلك القوة اللازمة لطيّ فصل من حياتي، والبدء من جديد بثبات كل مرة وأدرك تمامًا أنّي دائمًا بالله أقوى.

ومضة لابن تيمية: العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات.