آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 9:49 ص

يوم المبعث النبوي كيف ينبغي أن يُعاش

يوم المبعث النبوي هو أحد أعظم الأيام في تاريخ البشرية، لأنه اليوم الذي بدأ فيه التحول الجذري في مسار الإنسان والفكر والقيم. في هذا اليوم لم تُبعث رسالة دينية فحسب، بل بُعث مشروع إنساني متكامل، أعاد تعريف معنى الإنسان، وحدد غايته، ووضع له ميزانًا أخلاقيًا ثابتًا في عالم كان يموج بالظلم والاضطراب والفراغ الروحي.

إن المبعث النبوي لم يكن حدثًا طارئًا أو معزولًا عن واقع الناس، بل جاء استجابة لحاجة إنسانية عميقة، حيث كانت البشرية تعاني من انهيار القيم، واستبداد القوة، واحتقار الإنسان للإنسان. فجاء الوحي ليوقظ الضمير، ويخاطب العقل، ويحرر القلب، ويؤسس لمجتمع يقوم على العدل والرحمة والمسؤولية.

وينبغي أن يُعاش يوم المبعث أولًا بإدراك حقيقته الرسالية، فبعثة النبي محمد ﷺ كانت بعثة للوعي قبل أن تكون بعثة للتشريع. أول كلمة في الوحي كانت اقرأ، في إشارة واضحة إلى أن بناء الإنسان يبدأ من المعرفة، وأن الإيمان لا ينفصل عن العقل، وأن الرسالة قائمة على الفهم لا على التقليد الأعمى.

ويُعاش يوم المبعث بالشكر العميق والواعي على نعمة النبوة، فوجود النبي ﷺ في حياة البشرية هو أعظم رحمة إلهية، كما وصفه القرآن الكريم، ورحمة الله هذه لا تُقابل بالاحتفال الشكلي فقط، بل تُقابل بالالتزام العملي بمنهجه، وبمحاولة تجسيد أخلاقه في تفاصيل الحياة اليومية.

كما يُعاش هذا اليوم بالعودة الصادقة إلى القرآن الكريم، فهو الوثيقة الأولى للمبعث، والدستور الأخلاقي والفكري الذي نزل ليصنع الإنسان الصالح والمجتمع المتوازن. قراءة القرآن في يوم المبعث ينبغي أن تكون قراءة تدبر وفهم، لا قراءة حروف فقط، قراءة تسأل كيف يمكن لهذه الآيات أن تُصلح واقعنا وسلوكنا وعلاقاتنا.

ومن أعمق معاني إحياء يوم المبعث الاقتداء العملي بسيرة النبي ﷺ، فهو النموذج الحي للرسالة. فقد جسّد النبي ﷺ قيم القرآن في تعامله مع أهله، وأصحابه، وأعدائه، والضعفاء، والمخالفين. وكان مثالًا في الرحمة، والحلم، وضبط النفس، والعدل، والتواضع، واحترام الإنسان، وهي قيم لا تزال البشرية في أمسّ الحاجة إليها.

ويُعاش يوم المبعث كذلك بمراجعة الذات والمحاسبة الصادقة، لأن الرسالة لم تُبعث لتُقرأ فقط، بل لتُحمل وتُطبّق. يسأل الإنسان نفسه في هذا اليوم: ما نصيبي من هذه البعثة؟ هل أنا عنصر إصلاح أم مصدر أذى؟ هل تعكس أخلاقي صورة النبي ﷺ أم تُشوّهها؟ فالمبعث دعوة دائمة لتصحيح المسار لا لتقديس الماضي دون وعي.

ويُعاش يوم المبعث بالعمل الصالح وخدمة الناس، فالرسالة المحمدية قامت على الرحمة والإصلاح، وكل عمل يخفف عن الناس آلامهم، أو ينشر العدل، أو يزرع الأمل، هو امتداد حي ليوم المبعث. فالإيمان الذي لا يتحول إلى سلوك وعطاء إيمان ناقص الأثر.

كما ينبغي أن يُعاش يوم المبعث كتجديد للعهد والمسؤولية، فبعثة النبي ﷺ حمّلت الإنسان أمانة الاستخلاف، وجعلته مسؤولًا عن نفسه ومجتمعه. كل فرد، مهما كان موقعه، يحمل جزءًا من هذه الأمانة، في أسرته، وفي عمله، وفي كلمته، وفي مواقفه.

إن يوم المبعث ليس يومًا يُحتفل به وينتهي، بل هو مشروع حياة، ورسالة مستمرة، ومنهج إصلاح دائم. هو دعوة لأن نُبعث في وعينا، ونُجدّد إيماننا، ونُصحّح أخلاقنا، ونحوّل نور الوحي إلى واقع حي يسير معنا في كل أيامنا، ليبقى المبعث نورًا متجددًا لا ذكرى عابرة.

استشاري طب أطفال وحساسية