آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 9:49 ص

صناعة الالتباس

المهندس أمير الصالح *

حاليًا معظم الأفراد يعيشون في ساحة معركة غير مرئية أو غير مُعلنة، ودون ضوضاء. فأرض المعركة أضحت رقمية في جوال ولابتوب كل شخص من المجتمع، حيث وسائل التواصل، والمنصات الإعلامية، والإنترنت، والتطبيقات المختلفة. عدد الشبهات، وحجم أعداد الصور الشهوانية المغرية، والسرديات المتضاربة للأحداث والأخبار، وتطبيقات المواعدة، وتزايد أعداد المواقع المشبوهة والمقاطع الشيطانية المتربصة، أضحت مرتعًا خصبًا ومصانع متعددة لإنتاج الالتباس والتشتت والحيوانية السلوكية والتشويش؛ حتى بلوغ البعض درجات مختلفة من الضياع والانزلاق والكفر وارتكاب الخطيئة والقمار، لمن لا يحسن الإبحار في ذاك العالم الرقمي الواسع. لا سيما ممن لا توجد لديه خريطة طريق صحيحة أو أضاع البوصلة الأخلاقية الإنسانية الرصينة، وهتك حجب قيم الفطرة السليمة. واجب أخلاقي وإنساني على كل فرد أن يحدد ويعين ويرشد الآخرين إلى البوصلة الأخلاقية الإنسانية الرصينة، وأن يصطف مع الصالحين، وأن يروض نفسه على الامتناع عن إغواء الغاوين، ويبتعد عن الأشرار واللصوص والمروجين للفجور وقطاع الطرق والمجاهرين بالرذيلة.

مصطلحات الحرية الشخصية، الاستقلال الذاتي، حرية التعبير، كلمات رنانة وساحرة، لا سيما لدى جيل الفتيات والشباب وحتى الأطفال والكبار. الحرية جميلة، ولكن إذا وُظِّفت انحيازيًّا بمعنى التمرد على الله وانتهاك حقوق الآخرين فهذا أمر شنيع. حرية التعبير كعنوان جميل، ولكن إذا تم توظيفه انحيازيًّا لإطلاق صور وكلمات مبتذلة، فهذا أيضًا أمر مرفوض. النُّخب في المجتمع التي تتبنى هذه اللغة دون مساءلة، تتحول هي أيضًا إلى أدوات ممسوخة داخل آلة الإعلام المشوَّهة، وبالتالي السيطرة العالمية.

توظيف الكلمات والصور والمقاطع بسياق ونمط معين ومحدد لنشر الرذيلة أو الالتباس أو التمرد على السلوك الحسن أو خيانة الأمانة والكفر بالله، وهدم بناء الأسرة واستقرار «المجتمعات» والأوطان، هي حرب فكرية قبل أن تكون حربًا ملموسة ضروسًا. إن أخطر ما في الحروب المعاصرة هو صراع القوى الناعمة؛ حيث إنها تُدار في الواقع بالتلاعب بالألفاظ والعبارات المنمقة، وتحريف المفاهيم، وتوجيه بعض المصطلحات بطريقة سالبة. فيوظف البعض مفردة الحرية الشخصية بمعنى حرية التعري الجسدي وإشباع الغرائز بالحرام، وعدم ترويض النفس عن رغباتها الحيوانية، وتخطي المحاسبة؛ ويوظف البعض مسمى حرية التعبير بمعنى الاستخدام المفرط للكلمات الساقطة والتعابير الدنيئة والنابية والعنصرية والتطاول على الآخرين. والواقع أنه يُعاد إنتاج العنف والفوضى والرذيلة في صيغة عناوين جذابة ومنمقة، بهدف السيطرة والوقوع في الفخ الشيطاني.

النخب بكل الأطياف في أي مجتمع، عليها واجب أن تكشف هذه الفوضى المقنَّعة، وأن تذكّر بأن أي مفردة تأتي ممن لا يكنون الخير للمجتمع، فإنها ليست للإصلاح، وإنما لتدجين وسحق وإخضاع المجتمع وسرقة خيراته وتفتيت الأسر وتحطيم المكاسب.

البوصلة الأخلاقية

حتمًا لم يكن ولن يكون كل فرد في المجتمع رجل فكر لامع أو ذا وعيٍ مميز أو عالمًا أو مخططًا استراتيجيًّا، ولكن تحديد البوصلة الأخلاقية وتفعيل استخدامها عند كل فرد منا مؤشر أساس لتحديد الجهة التي يجب أن نقف معها ونعضدها. فتشخيص وتمييز من ينصح الآخرين ويقول كلمة الحق ويصبر على التمسك بالمبادئ والقيم، ممن يضلل الناس ويكذب عليهم ويسعى في الأرض بالخراب والفساد ونشر الإباحية وزيادة العنف، أمر مهم ومفصلي. ويجب استحضار الذاكرة والتاريخ لتفادي الوقوع في مقالب التلون واللغة الناعمة للأشرار.

النصيحة بأسلوب فعال ومؤثر

قصة الرجل المحاور الشجاع في سورة يس: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [يس: 20].

أثارت لدي تلك القصة عدة أمور:

تصلني عدة نشرات من عدة جهات تحت عناوين مختلفة «مجلة كذا، ونشرة كذا، ومقالة كذا، وحكمة اليوم»، وهي ذات فحوى هادف، ولكن بأسلوب قد يراه الشباب بأنه رتيب أو ممل أو مستهلك أو كلاسيكي جالب للنعاس، فلا يقرؤونه ولا يتفاعلون معه. وكذلك المحاضرات في دور العبادة...

فكنت أتساءل عن فعالية وصول ووضوح رسائل المخلصين نحو الآخرين، ولماذا صداها باهت؟ طرحت عدة أسئلة كحوار ذاتي - ذاتي:

• هل هناك عزوف من الشباب عن كل ما هو إنتاج فكري محلي؟

• هل هناك أدوات إعلامية مؤثرة لم يُجِد استخدامها الآباء والمبلغون والكتاب، ويجب عليهم إتقانها؟

• هل الصدمة الحضارية بلغت بالبعض حد النفور حتى من لغته الأم وكل ما له علاقة بها؟

• هل الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته وجوجل أضحوا مصادر المعرفة، والآخرون والموروث الحضاري المحلي لم يعد مُجديًا؟

قصة الرجل في سورة يس قصة ملهمة جدًا، وتنم عن تحرك مناسب من رجل واعٍ في زمن ضاع فيه أبناء مجتمعه.

وفي بعض المجتمعات، لم تكن ولن تُجدي النصيحة والمقالة والمحاضرة والتواصل المباشر، لأنهم انسَلخوا من كل القيم، وخير مثال يذكرنا القرآن الكريم به: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: 79].

نعوّل كأبناء مجتمع على المخلصين والأوفياء على استحداث أدوات تواصل فعالة مع المحيط، ولا سيما أبناء الجيل الصاعد، حيث التقنيات والتطبيقات، والتحذير من الانغماس في محفزات النزوات والتضليل الإعلامي وصنوف أدوات غسيل الدماغ.

لكل التربويين والخطباء والكتاب والشعراء والآباء، نقترح مراجعة الأدوات والأساليب وتفعيلها قبل فوات الأوان، وزهد أبناء الجيل «Z» من موروث وقيم آبائهم وأمهاتهم!