آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 9:49 ص

من أنا؟

عبد الله أحمد آل نوح *

نمضي في الحياة نؤدي أدوارًا كثيرة، بعضها اخترناه، وأكثرها جاء مع الظروف ومسؤوليات العمر. ومع تراكم الأيام، يصبح سؤال «من أنا؟» أكثر أهمية مما نظن. ليس لأنه سؤال كبير، بل لأنه السؤال الذي يكشف الفرق بين ما نعيشه وما نشعر به.

المشكلة ليست في كثرة الأدوار، فهذا طبيعي، بل في المسافة التي تتسع بين الإنسان ونفسه وهو يحاول أن يرضي الجميع. يظهر ثابتًا من الخارج، لكنه يحمل في داخله ما لا يراه أحد. يشعر بثقلٍ لا يعرف سببه، وبفتورٍ رغم الإنجاز، وبأن شيئًا ما يحتاج إلى مراجعة.

«من أنا؟» ليس سؤالًا فلسفيًا، ولا ترفًا ذهنيًا، بل محطة ضرورية يعود فيها الإنسان خطوة إلى الوراء ليفهم اتجاهه. لماذا يسلك هذا الطريق؟ ولماذا يقبل ما لا يناسبه؟ ولماذا يواصل فعل ما يرهقه بينما يعرف أنه لا يمثله؟

تجارب الحياة تُشكّلنا، ولكنها أحيانًا تُضيف إلينا ما لا نحتاجه. علاقات، توقعات، مجاملات، تنازلات… جميعها تبني حول الإنسان طبقات قد تُبعده عن صوته الحقيقي. ومع الوقت، تصبح الصورة التي يراها الآخرون واضحة، بينما يصبح الصوت الداخلي خافتًا.

البحث عن الذات ليس إعلانًا نكتبه، بل ممارسة يومية. يظهر في قرار نتخذه، وفي حدود نرسمها، وفي كلمة «لا» نقولها احترامًا لراحتنا، وفي اختيار بسيط يعيد ترتيب يومنا بما يشبهنا. شيئًا فشيئًا، يستعيد الإنسان وضوحه، وتخفّ تلك المسافة التي أرهقته طويلًا.

لسنا مطالبين أن نملك تعريفًا نهائيًا لأنفسنا، فالإنسان يتغيّر وينضج ويتعلم. لكننا مطالبون ألّا نعيش بعيدًا عن حقيقتنا، وألّا نسمح للضجيج أن يختطف منا ما يجعلنا نعرف أين نقف وإلى أين نتجه.

في النهاية، لا يحتاج الإنسان إلى كلمات كثيرة ليعرف نفسه، بل إلى صدق قليل مع ذاته. فالهوية ليست ما يقوله الناس، بل ما يختبره الإنسان حين يهدأ، ويختار، ويتعامل مع الحياة كما هي، لا كما يتوقع منه الآخرون.

ومن عرف نفسه، عرف كيف يحيا… وكيف يواجه… وكيف يمضي دون أن يتوه، مهما تغيّر.

عضو مجلس المنطقة الشرقية ورجل أعمال