آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 9:49 ص

هل كان إنسان الكهف أكثر رُشدًا منا؟

حسين مكي المحروس

بالرغم من الصورة النمطية السائدة، فلم يكن إنسان الكهف مجرد كائن بدائي تحرّكه الغريزة، كما دأبت بعض السرديات السطحية على تصويره وإبرازه. يجب ألا نغفل حقيقة كونه إنسانًا مثلنا يعيش صراعًا يوميًّا مع بيئته القاسية، مما ألزمه أن يستجيب لتحدياتها بقدرٍ ملحوظ من الوعي والتكيّف والاندماج. الرشد، يا صديقي، لا يُقاس بزخم المعلومات، بل من الأولى أن يُقاس بقدرة الكائن على استيعاب المخاطر وتعديل السلوك وتحويل التجربة إلى معرفة عملية تحفظ البقاء، وتبعد المجانين والمعتوهين عن الصدارة.

تشير دراسات علم الإنسان القديم إلى أن صناعة الأدوات الحجرية مثلًا لم تكن مرتبطةً بالعمل العشوائي أو العفوي، بل على العكس تمامًا، إذ برهنت على وجود عملية ذهنية معقّدة؛ وذلك لأنها كانت تتطلب تصورًا مسبقًا لما سيؤول إليه الشكل النهائي للأداة، وتسلسلًا منطقيًا للحركات، وضبطًا دقيقًا للقوة والشد مع مراعاة زاوية التأثير. هذه العمليات المعقدة في نظر الإنسان الأول اقترنت بالوظائف التنفيذية لدماغه. من هنا تبين جليًّا أن إنسان الكهف كان يفكّر قبل أن يفعل، ويختبر قبل أن يكرِّر التجربة، ويستفيد من خطئه ويعدل سلوكه تبعًا لذلك. وهذا برهان على شكل مبكر من التعقل العملي القائم على التجربة والخطأ والتصحيح.

إن من أبرز صور وعيه هو واقعية اختياره للكهوف مسكنًا وملاذًا آمنًا. فلم يكن ذلك مصادفةً أو عفويًّا، ولا حتى من باب مجرد البحث الاضطراري عن ملجأ يحميه من المطر أو ملتجَأً يقيه من خطر الحيوانات الكاسرة المفترسة. نجزم بجزمٍ قاطع أن الكهوف أضحت انعكاسًا لاستجابة ذكية ممزوجة بالتبصر والتفهم لمخاطر البيئة، من باب الوجدان. كما تميل بعض الفرضيات العلمية إلى أن الغلاف الجوي في تلك الحقبة لم يكن قد بلغ استقراره الحالي، مما ترك الأرض تئن تحت وطأة الأشعة فوق البنفسجية والإشعاعات الكونية الضارة المتنوعة. في ذلك الظرف وفّرت الكهوف مأوًى طبيعيًّا يقلل من أثر هذه الأشعة، إلى جانب الاستقرار الحراري والحماية الشخصية للأفراد. لقد ميّز «أخونا الكهفي» الأثر ورتّب عليه النتائج، وإن لم يكن آنذاك قد تعرّف بعد على مختلف الأسباب والمؤثرات بصيغتها العلمية المفصلة، على الصعيد نفسه الذي نتدارسه نحن اليوم.

كما مثّلت لهم الكهوف فضاءً ملائمًا لتشكيل بذرة التواصل المجتمعي في صورته البدائية. فالعيش في مجموعات صغيرة فرض أنماطًا من التعاون وتقاسم الأدوار؛ الصيد بشكل جماعي، الحراسة الجماعية المتناوبة، بينما تبقى النار مسؤولية الجميع. هذا التنسيق لم يكن ليبصر النور لو كان قد نشأ في ظل غياب الرشد الجمعي، بل إنه كاشف لما كان يتطلبه من تفهم للعلاقة بين دور الفرد والجماعة، وخصوصية ترجيح المصلحة العامة على الخاصة، وأهمية المحافظة على «أيقونة» البقاء المشترك.

أما الصورة المشوهة عن تعرِّي إنسان الكهف كإثبات على تخلفه، فيجب قراءتها ضمن سياقها الواقعي آنذاك، لا من خلال العدسة الأخلاقية المعاصرة. فقد كان التعري عندهم ضرورة تلقائية جامحة بسبب ضآلة الحيلة وندرة أدوات النسج، وما كان قطّ خيارًا ثقافيًا أو تعبيرًا عن التحرر، كما عليه الأغلب من البشرية اليوم. ومع تطور مهارات الإنسان الأول، اتجه تدريجيًّا إلى التستر باستخدام الجلود والألياف وأوراق النبات، إدراكًا منه لأهمية اللباس، علاوة على وظيفته الوقائية وسلامته الفردية. فالستر عندهم ابتعد تمامًا عن المقصد الجمالي، وانحاز إلى مهمة الضرورة الوجودية.

وهنا تبرز المفارقة جلية عندما نقارن هذا السلوك بما عليه الإنسان المعاصر، الذي هو بالطبع أكثر تحضرًا وخبرة. موضة التعري العالمية الحديثة ليست وليدة الاضطرار، بقدر ما هي نتيجة الافتقار للمنطق والعقل والحياء. مع أن الإنسان المعاصر يمتلك المعرفة والتقنية، لكنه، ويا للعجب، تنقصه رؤية دروب الصواب، لذا لم يُحسن توجيه هذا الامتلاك. انظرْ إلى التناقض والاضطراب بين السلوكين، بين من كان عاريًا لعجزه وافتقاره وقلة حيلته، وهو مع ذلك قد سعى إلى التستر، قارنه بمن يمتلك اليوم كل ضروب الستر ومع ذلك يصر على التخلي عنها بإرادته، بل يُلح على المضي قدمًا في الاتجاه المعاكس.

ختامًا، تكشف صور وعي إنسان الكهف أن التأقلم مع البيئة يتطلب عقلًا وحكمة بعيدًا عن الارتجال والفوضى. لنتعلم مما واجهه الإنسان الأول من أخطار الطبيعة، وكيف تسلح بالملاحظة والتجربة، بعيدًا عن الاندفاع والهمجية. إن اندماجه لم يكن خضوعًا للبيئة بقدر ما كان تفاهمًا وانسجامًا وانصهارًا واندكاكًا، بل قل وتساكنًا معها، في تفاعل قائم على معرفة الحدود واحترام السنن.

يبقى التأمل في تجربة إنسان الكهف طريقًا لأن ننصف الماضي ونراجع الحاضر ونجيب عن هذا السؤال الجوهري الجريء: هل تطورنا في وعينا بنفس قدر تطورنا في أدواتنا؟ الصراع من أجل البقاء سنة كونية، يتخلله التكيّف تحت سقف العمل الواعي. وعيٌ جمعيٌّ قد يفصل بين البقاء والفناء.