آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 9:49 ص

ضعف القراءة النمطية للمجتمع في إيران!

حسن المصطفى * ‏الصحيفة البلاد البحرينية

هناك إشكالية منهجية تتكرر باستمرار في قراءة المشهد الإيراني تكمن في ”الاختزال“، أي حصر هذا الكيان الجغرافي والبشري المعقد في زاوية سياسية ضيقة أو موقف آيديولوجي واحد، يخضع لقاعدة الحب أو الكره، الإعجاب أو الازدراء، وهو سلوكٌ ناتج عن أفكار مسبقة يكررها المؤمنون بها.

التحليل العلمي الرصين يفرض علينا نقد هذه القراءة التبسيطية، والاعتراف بأننا أمام فسيفساء اجتماعية وثقافية إيرانية شديدة الثراء تكونت عبر صيرورة تاريخية طويلة، وأنتجت تنوعاً لا يمكن تجاوزه عند محاولة الفهم، خصوصاً عند مراقبة أحداث مؤثرة كالاحتجاجات التي تجري حالياً.

المجتمع الإيراني ليس كتلة صماء؛ هو فضاء حيوي تتفاعل فيه مدارس فكرية متعددة، تمتد من العرفان والتصوف الفلسفي، مروراً بالتيارات الليبرالية والعلمانية الحديثة، وصولاً إلى قراءات دينية تنويرية تسعى لإعادة تأويل النص، فضلاً عن التيارات الثورية والأخرى الثبوتية المتشددة!

هذه التعددية العرقية واللسانية والمذهبية تمنح المجتمع قدرة على توليد الأسئلة المستمرة حول الهوية والمصير، ما يجعل الحراك الداخلي عملية نضج طبيعية، وليست مجرد انعكاس لتدخلات خارجية أو أزمات عابرة، وتعكس رغبة حقيقية في أن يكون الشعب كريماً في معيشته يتمتع باقتصاد قوي، مثل بقية الشعوب المتقدمة والمجتمعات المتحضرة.

حيوية الشارع الإيراني وتوقه المستمر للتجديد يتجاوزان الأطر التقليدية الجامدة التي يحاول البعض إسقاطها عليه. فالتعامل مع هذا الثراء المعرفي يتطلب عقلاً سياسياً مرناً، يغادر مربع ”الأحكام المسبقة“ والمواقف المعلبة سلفاً، والقراءة الموضوعية تستوجب رصد التحولات في البنى الاجتماعية والقيمية للجيل الجديد الذي يعيد تشكيل مفاهيمه غير آبهٍ بالسرديات الرسمية أو التوصيفات الجاهزة.

نحن بحاجة إلى مقاربة علمية - بحثية رصينة، تفصل بين الموقف من النظام السياسي وبين فهم ”الكتلة المجتمعية“ المتحركة.

الاستمرار في النظر إلى إيران بعين ”الخصومة المطلقة“ أو ”التأييد الأعمى“ يعطل القدرة على استشراف المستقبل، ويحجب رؤية الديناميات الحقيقية التي تصنع الحدث وتجعل الرؤية ضبابية، بل في أحيان كثيرة مضللة، وبالتالي مزيداً من سوء الفهم لكل ما جرى ويجري حالياً وما سيقع مستقبلاً!.