المدارس كدكاكين والطلاب كزبائن
تخيل معي أن المدارس التي تحيط بنا ليست سوى دكاكين، وأن المعلمين بائعون، والطلاب زبائن، والمناهج بضائع مصفوفة بعناية على الرفوف. قد يبدو هذا التشبيه صادمًا، لكنه يصبح أقل قسوة حين نميز بين الرؤية المعلنة للتعليم وبين آليات تطبيقها.
نحن اليوم أمام مفارقة واضحة: نمتلك مدارس حديثة في مبانيها، متطورة في أنظمتها، متعددة في منصاتها الرقمية، لكن جوهر العملية التعليمية لم يتغير كثيرًا. لا يزال التعليم يدار بمنطق التلقين مقابل الدرجة، لا بمنطق الفهم مقابل الوعي.
لم يتحول ”الدكان“ عندنا كليًا إلى متجر إلكتروني. فالكتاب المطبوع ما زال حاضرًا بقوة لكن ما تغيّر فعليًا هو تضخم المنصات الرقمية التي تحيط بالعملية التعليمية. تعددت الواجهات، وكثرت الأنظمة، وتراكمت المهام الإلكترونية فوق كتاب يدرّس بالعقلية نفسها. لم ننتقل من نموذج قديم إلى آخر جديد، بل أضفنا طبقة رقمية فوق نموذج تقليدي، فصار الطالب يتلقى المحتوى ذاته عبر قنوات أكثر، دون أن تتغير علاقته بالمعرفة.
كما حذر إيفان إيليتش، حين تتحول الأدوات إلى غاية، تفقد قدرتها على التحرير. التقنية هنا لم توسع مساحة السؤال، بل وسعت مساحة الرصد والمتابعة. لم تكسر جدران الدكان، بل جعلته أكثر إحكامًا وتنظيمًا، وأقل فوضى.
في هذا السوق التعليمي، لا تزال الدرجة هي العملة الأعلى قيمة. الطالب وولي أمره يضغطان للحصول على ”السلعة النهائية“: الدرجة الكاملة. والمعلم يجد نفسه محاصرًا بين قناعته التربوية ومتطلبات الرضا العام. هنا يحضر بيير بورديو بقوة؛ فالنجاح في أنظمتنا التعليمية غالبًا ما يكون مؤشرًا على الامتثال والقدرة على الاستظهار، لا على الفهم العميق أو التفكير التحليلي. الدرجات العالية تحولت إلى إيصالات شراء تثبت المرور من النظام، لا إلى دلائل حقيقية على امتلاك المعرفة.
وهكذا تتحول المدرسة، من حيث لا تشعر، إلى آلية لإعادة إنتاج النظام نفسه، بلغة الحياد والاستحقاق، دون أن تمس بنيته العميقة.
المعلم، الذي يفترض أن يكون صانع وعي، يعيش صراعًا أخلاقيًا يوميًا. بين رغبته في أن يكون سقراطيًا يولد الأسئلة، وبين كونه موظفًا تقنيًا غارقًا في المنصات، والرصد، والمؤشرات، والتقارير. المنظومة لا تكافئ المعلم الذي يقلق طلابه بالأسئلة، بل تكافئ من يضمن نتائج مستقرة وأرقامًا مطمئنة وهدوءًا إداريًا. وهنا تتحقق ملاحظة ميشيل فوكو بأن المؤسسات الحديثة لا تنتج المعرفة فقط، بل تنتج الطاعة أيضًا.
المشكلة الجوهرية ليست في الكتاب، ولا في المنصة، ولا في المبنى، بل في ثقافة الدرجات بوصفها عقيدة اجتماعية. نريد تعليمًا حديثًا، لكننا نخشى نتائجه إن لم تكن قابلة للقياس السريع. نطالب بعقول ناقدة، ثم نضيق بها حين لا تنسجم مع الامتحان أو مع متطلبات السوق.
في السياق السعودي، لا يمكن فصل التعليم عن مشروع التحول الوطني ولا عن طموح بناء إنسان قادر على المنافسة عالميًا. لكن السؤال الذي نتحاشى طرحه بوضوح هو: هل يمكن لعقل تربى على مطاردة الدرجة أن يصنع معرفة؟ وهل يمكن لمدرسة تكافئ الامتثال أن تخرج مبتكرين؟
نغير المناهج، ونحدث الأنظمة، ونوسع المنصات، لكننا نترك فلسفة التقييم على حالها. لا يزال ولي الأمر يسأل: كم درجته؟ ولا يزال الطالب يتعلم أن الذكاء هو معرفة ما يريد النظام سماعه. ولا يزال المعلم يقاس بمتوسط النتائج لا بعمق الأثر.
أي إصلاح تعليمي حقيقي لن ينجح ما لم يجرؤ على المساس بقداسة الدرجة، وإعادة تعريف النجاح بوصفه قدرة على التفكير لا مهارة على اجتياز الاختبار. فالتحول نحو اقتصاد المعرفة لا تصنعه دكاكين أكثر حداثة، بل مدارس تعلم طلابها كيف يسألون، وكيف يختلفون، وكيف يفشلون دون أن يقصوا.
ربما لم يحن الوقت بعد لثورة تعليمية كاملة، لكن الوقت حان للاعتراف بأن المشكلة ليست في شكل المدرسة، بل في الفلسفة التي تديرها. وحين نمتلك شجاعة هذا الاعتراف، قد تتحول مدارسنا من دكاكين… إلى فضاءات تنتج الوعي لا مجرد الزبائن.
















