آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 9:49 ص

بعد التحول والضمان الصحي.. من يضبط الطلب؟

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

التحول الصحي في جوهره خطوة ضرورية، بل تأخرت كثيرًا. وهو انتقال من نموذج تتحمل فيه الدولة كلفة العلاج بشكل مباشر، إلى نموذج أكثر تنظيمًا واستدامة عبر الضمان والتأمين الصحي.

حين تصبح كلفة العلاج على التأمين، لا على المريض مباشرة، تتغير سلوكيات الطلب. هذا ليس اتهامًا للمواطن، بل توصيف لواقع معروف في جميع الأنظمة الصحية المتقدمة. التحدي الحقيقي هنا ليس في التمويل، بل في حوكمة الطلب: كيف نمنع الهدر دون أن نغلق الباب في وجه من يحتاج العلاج؟

أحد أبرز مصادر الهدر المتوقعة يتمثل في الفحوصات التشخيصية التي تُطلب بلا مبرر وقائي أو تشخيصي أو علاجي واضح، أو في وصف أدوية تُصرف باعتبار المنشأة الصحية «صيدلية مجانية»، أو في إجازات مرضية تُستخدم أحيانًا كحل اجتماعي أو وظيفي لا كأداة علاجية. هذه الممارسات لا تستنزف الموارد المالية فقط، بل تضعف جودة القرار الطبي، وتضر بالمريض نفسه على المدى البعيد.

وفي بعض الحالات، تُحال حالات بلا مبرر طبي قوي، فتزدحم الخدمات التخصصية وتُهدر الموارد. وفي المقابل، تُصعّب أو تُؤخّر تحويلات مبررة طبيًا بسبب ضغط الخدمة لا بسبب التقييم السريري. النتيجة واحدة: تأخير تشخيص، تعقيد حالة، وكلفة علاجية أعلى لاحقًا كان يمكن تفاديها بقرار مبكر ومنظم.

وهنا تبرز أهمية الرعاية الصحية الأولية بوصفها حجر الأساس لأي نظام ضمان صحي ناجح. فالرعاية الأولية ليست مجرد بوابة عبور إدارية، بل هي خط الدفاع الأول عن النظام الصحي بأكمله. لكنها اليوم تواجه تحديًا حقيقيًا حين تُدار بمنطق الأرقام لا بمنطق الفرز السريري، فتتساوى الحالات الباردة مع الحالات المعقدة، ويُهدر الوقت حيث لا قيمة صحية مضافة.

وتبرز هنا فجوة تشغيلية لا يمكن تجاهلها، تتمثل في عدم مواءمة التأهيل الإداري والسريري مع طبيعة الأدوار التنظيمية داخل بعض المنشآت الصحية. فغياب المسارات الواضحة للتأهيل والتدرج الإداري، وعدم الاستثمار المنهجي في بناء القيادات الصحية، يؤدي أحيانًا إلى قرارات تُدار بمنطق المؤشرات، لا بمنطق المخاطر السريرية وجودة الرعاية.

وعند المقارنة ببعض نماذج القطاع الخاص - لا بهدف تمجيدها بل للاستخلاص - نجد أن الطبيب هناك يُمكَّن من أداء دوره: عيادة مجهزة، فريق تمريضي مساعد، دعم إداري وتقني، ومترجم عند الحاجة. الطبيب يركز على مهنته لا على ما يحيط بها.

ليس الهدف أن تتحول الخدمة الحكومية إلى فندقة، ولا أن تصبح رفاهية مكلفة، فذلك ليس دور الرعاية الحكومية ولا رسالتها. الهدف هو تمكين مقدم الخدمة ليعالج عددًا أكبر من المرضى بجودة أعلى، وباستخدام أمثل للوقت والموارد.

العدالة الصحية لا تعني تقديم كل شيء للجميع بلا ضابط، بل تعني ضمان وصول الخدمة لمن يحتاجها فعلًا، في الوقت المناسب، وبالجودة المناسبة. وهي لا تتحقق بإرهاق النظام ولا بإرضاء طلب غير منضبط، بل بتنظيم الخدمة وحماية القرار الطبي المبني على الدليل.

ويبقى السؤال الأهم: ماذا عن كبار السن، وذوي الإعاقة، ومن يحتاجون إلى الرعاية المنزلية، أو يواجهون صعوبة في الوصول للخدمة أصلًا؟ هل ستكون هذه الفئات مشمولة فعليًا ضمن مظلة الضمان الصحي؟ وهل ستُقدّم لهم الخدمة بجودة مماثلة، لا نظريًا فقط بل عمليًا؟

الرعاية الصحية الحكومية ليست فندقًا، وليست مشروعًا ربحيًا، بل استثمار في صحة الناس وسلامتهم واستقرار المجتمع.

والتحول الصحي لن يُقاس بكم أنفقنا، بل بعدالة ما وصل، وكفاءة ما قُدّم، واستدامة ما بُني للأجيال القادمة.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي