ويبقى التراث مجالاً للتأمل

يتسابق بعض فرسان وسائل التواصل إلى عرض أحاديث تفصيلية تُدخل المتابعين في جزئيات كان الأولى أن تُترك في سنبلها؛ كالكلام على فضائل الباذنجان وأنه أول نبتة أقرت بولاية أمير المؤمنين
[1] ، أو الجرجير الذي دفع بعضهم إلى سؤال المراجع عن حكمه الشرعي وتخصيص حلقة تلفزيونية له [2] ، بل دفع بعضهم إلى الاستماتة في تحشيد ما يُسمى بالإعجاز العلمي في حديث سقوط الذبابة في الطعام [3] ، والحال أن بين أيدينا أحاديث أعمق أثرًا يمكن استخراج منها نكات علمية واجتماعية رصينة، كالحديث الوارد عن النبي الأعظم ﷺ «إن أحبَّ الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي» [4] .
هذا الحديث يفتح أمامنا أبوابًا متعددة للتأمل:
طعام وراءه بيت حي: يدل على أن ثمة مَن أعدَّه، وأن خلف المائدة عائلةٌ تعيش وتتواصل.
طعام مُعدّ بالمحبة: يُوحِي بأن اليد التي طبخت فعلت ذلك بمودةٍ لأهلها، فتنعكس المحبة على المذاق والمعنى.
تكاثر الأيدي أُسريًا: اجتماع الأسرة حول مائدةٍ واحدة علامة على الترابط؛ ولهذا نحب شهر رمضان لاجتماعنا على وجبةٍ في وقتٍ محدد، بخلاف بقية الشهور حيث تختلف أوقات الوجبات بين أفراد الأسرة.
تكاثر الأيدي ضيافةً: إذا كانت الأيدي أيدي ضيوف فهي رابطةٌ اجتماعية تُحيي صِلات الأرحام والجوار.
مهارة إعداد الوجبات ذاتيًا: مشاركة أفراد الأسرة في الطهي تُنمّي الثقة بالنفس وتُعلّم الاعتماد المتبادل.
روائح طيبة بعد الطعام: انتشار الروائح الزكية أو البخور يُشيع سكينة البيت وروحه الطيبة.
تنظيم بقايا الطعام باحترام: وجود مكانٍ مُرتّب لبقايا الأكل علامة على تقدير النعمة وحسن التدبير.
البعد الروحي: كثرة الأيدي على الطعام تعني كثرة الدعاء والذكر عند الأكل، فيتحول الطعام إلى مناسبةٍ للبركة الروحية لا مجرد إشباعٍ جسدي.
البعد الاقتصادي: المشاركة في الطعام تُقلّل من الهدر وتُعلّم الاقتصاد في الموارد؛ لأن الجماعة تُحسن التدبير أكثر من الفرد.
البعد التربوي: جلوس الصغار مع الكبار على مائدةٍ واحدة يُعلّمهم آداب الأكل، فيكون الطعام وسيلةً للتربية العملية.
البعد النفسي: المشاركة تُزيل شعور الوحدة؛ فالمائدة الجماعية تبعث الطمأنينة وتُخفّف القلق، بخلاف الأكل منفردًا.
البعد الأخلاقي: كثرة الأيدي تعني أن المائدة مفتوحةٌ للغير، وفيها كرمٌ وسخاء، بخلاف الانغلاق على الذات.
البعد الرمزي البلاغي: اليد هنا ليست مجرد عضو، بل رمزٌ للحضور والمشاركة؛ وكأن الحديث يُحوّل المائدة إلى صورةٍ مصغّرةٍ لمجتمعٍ متماسك.
البعد الحضاري: الاجتماع على الطعام ممارسةٌ إنسانيةٌ عابرةٌ للثقافات، والحديث يُعيد تأكيد قيمةٍ حضاريةٍ أصيلةٍ في الإسلام.
وهكذا يتضح أن الحديث النبوي لا يقتصر على وصف حالة اجتماعية، بل يفتح أمامنا فضاءً واسعًا من المعاني: من الأسرة إلى المجتمع، ومن الاقتصاد إلى الروح، ومن التربية إلى الأخلاق، فكل يد تمتد إلى الطعام هي في الحقيقة يد تمتد إلى بناء علاقة ومعنى، والحديث ببلاغته الموجزة يُحوّل مشهدًا يوميًا بسيطًا إلى صورة رمزية عن الترابط والبركة والكرم، إن قوة النص تكمن في قدرته على الإيحاء بما وراء الألفاظ، حيث تتحول اليد من مجرد عضو إلى رمز للحضور والمشاركة، فيغدو الطعام وسيلة لتجسيد قيم إنسانية وحضارية أصيلة.
لذلك، هذه دعوة متواضعة إلى ترشيد ما يُطرح في وسائل التواصل من أحاديث قد تُثير حفيظة هذا أو ذاك، والاقتصار على ما يُستفاد منه في حياتنا العملية، ولقد رأيتم أربع عشرة نقطة مستفادة بتأمل عابر من عقل قاصر؛ فكيف لو أُسند النظر إلى معاشر المفكرين الذين يُطالعون تراثنا بعيون موسوعية؟
















