آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 9:49 ص

الفشار الذي أحدث فرقا..

باسم آل خزعل

في ليالي الشتاء الباردة، حين يلتف الشباب حول دفء المجلس وتتشابك الأيدي كما تتشابك الأيادي حول فناجين الشاي، يولد مشهد لا يكتمل إلا بحضور بطل صامت… الأستاذ الذي يعد الفشار.

ليس المجلس مجرد مكان، بل مسرح للحوار الناضج، ترتفع فيه الأصوات حماسةً لا خصومة، ويشتد النقاش دون أن يمس كرامة رأي أو ينقص من قدر مخالف. وفي ذروة الجدل، حين تبلغ الأفكار أقصاها، يأتي الصحن الممتلئ لا ليُسكِتَ الحديث، بل ليهذبه. فشارٌ ليس كغيره، وإن تشابهت مكوناته. السر ليس في الذرة وحدها، بل في معادلة الملح، ودرجة الحرارة، وتلك اللحظة التي تسمع فيها طقطقة الحبات بين الأسنان، فتدرك أن للذوق ذاكرة.

الأستاذ الخلوق، بابتسامته الدائمة وحضوره الهادئ، لا يقدم مجرد وجبة خفيفة لرواد المجلس؛ إنه يقدم طقسًا اجتماعيًّا. يعرف متى يرفع الغطاء، ومتى يهدئ النار، وكيف يوازن الملح دون أن يطغى. يضع القدر الكبير في وسط المجلس، ليتسابق كل شخص على ذلك القدر، ليغترف كل واحد كمية ترضيه، حينها تتلاشى حدة النقاش تلقائيًّا، ويستعيد الحوار نبرته الودودة. لا أحد يسأل عن العشاء بعده، لا يكتفي الأستاذ بإعداد قدر واحد، بل لا يهدأ له بال حتى يعد أربع إلى ست دفعات تكفي للإشباع، وكأن الفشار هنا يؤدي وظيفة أعمق من سد الجوع، إنه يشبع الروح والعقل.

ما يميز هذا الأستاذ ليس مهارته في الإعداد فحسب، بل فهمه الدقيق لإيقاع المجلس. يدرك أن الحديث حين يشتد يحتاج إلى فاصلة ذكية، وأن الفكاهة الخفيفة قد تصلح ما لا تصلحه الحجج. الفشار عنده لغة أخرى، وسيط محايد يعيد ترتيب المزاج العام، ويمنح الجميع مساحة للتفكير والابتسام.

في زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتقل فيه المساحات المشتركة، يذكرنا هذا المجلس وبطله صانع الفشار بأن التفاصيل الصغيرة تصنع الفارق، وأن طبقًا بسيطًا، حين يعد بإتقان ويقدم بمحبة، قادر على جمع القلوب قبل الآراء.

وأؤكد لكم، أيها القراء، أن الفشار الذي يعده هذا الأستاذ ليس كأي فشار، لأنه مزيج من خبرة وذوق، ومن احترام للمجلس ورواده، ومن قناعة عميقة بأن الدفء الحقيقي يبدأ بابتسامة… وينتهي بطقطقة حبة فشار في ليلة شتاء.