كيس الأدوية… وذاكرة الثمانين
كان الحاج أحمد على أعتاب الثمانين من عمره، لكن الشيب في رأسه لم يكن يومًا علامة ضعف، بل وسام وقار.
عرفه الجميع بقوة ذاكرته، بدقته، بانضباطه، وبحرصه الشديد على صحته.
كان يقول دائمًا:
”الجسد أمانة… والدواء مسؤولية.“
ولهذا، لم يكن يترك علاجه أبدًا:
دواء للسكر، وآخر للضغط، وثالث للدهون، ورابع لفيتامين «د»، وخامس للمعدة.
كان يتعامل معها كما يتعامل المؤمن مع صلاته: دون تهاون.
في أحد الأيام، جلس في صالة انتظار الصيدلية.
كان صامتًا، لكن روحه لم تكن كذلك.
لسانه يلهج:
سبحان الله… الحمد لله… أستغفر الله…
وعندما نودي اسمه، تقدّم بخطوات هادئة، واستلم كيسًا ممتلئًا بالأدوية.
رمقه طفل صغير كان يجلس بجوار والده، وقال ببراءة: — بابا… عطوه كيس كبير!
ابتسم الأب وقال: — نعم يا بني… نسأل الله أن يمنّ عليه بالصحة والعافية.
التفت الحاج أحمد، وابتسم للطفل، ثم غادر.
لكن تلك الكلمات… لم تغادره.
وهو في طريقه إلى البيت، بدأ صوته الداخلي يعلو:
ماذا لو تركت هذه الأدوية؟
هل سأموت؟
الأعمار بيد الله…
لقد تعبت…
ثم هز رأسه بقوة، كأنه يوبّخ نفسه:
لا… الصحة أمانة.
مرّ أسبوع.
وفي إحدى الليالي، وبينما كان يستعد للنوم، توقّف فجأة.
— هل تناولت حبة الكولسترول الليلة؟
جلس على حافة السرير، فتح العلبة، وبدأ يعدّ الحبوب.
واحدة…اثنتان…ثلاث…
تجمّد.
— كيف؟
المفروض حبة واحدة يوميًا…
لكن هنا حبتان زيادة!
بدأ قلبه يخفق.
أعاد العدّ مرة أخرى… ثم ثالثة.
والشك… يتسلل.
منذ تلك الليلة، لم يعد مطمئنًا.
صار ينسى.
لا عن إهمال… بل لأن الذاكرة بدأت تضعف بصمت.
يضع الحبة أمامه… ثم ينهض ليشرب ماءً… ثم يعود ويتساءل:
— هل أخذتها أم لا؟
فيعيد العدّ… ويزداد ارتباكًا.
وذات ليلة، جاء ابنه الأكبر ليطمئن عليه.
وجده واضعًا يده على رأسه.
— ماذا بك يا أبي؟
قال بصوت متعب: — أشعر بصداع كل يوم… ذهبت للمركز الصحي، وقالوا إن ضغطي مرتفع جدًا.
تفاجأ الابن: — وهل تأخذ علاجك بانتظام؟
قال بثقة مهزوزة: — نعم… أنت تعرفني… أنا لا أترك علاجي.
لكن قلب الابن لم يطمئن.
أحضر الأدوية، وبدأ يتفحصها.
ثم قال بهدوء ثقيل: — أبي… أنت غير ملتزم.
— كيف؟!
— بعض الأدوية أوشكت على النفاد، وبعضها ما زال يكفي لأسبوعين.
المفترض أن تنتهي كلها في نفس الوقت.
سكت الحاج أحمد.
ثم قال بصوت خافت: — منذ شهر… وأنا أنسى. أشك: هل أخذت الدواء أم لا؟
أعدّ الحبوب… وأرتبك… وأحيانًا أتركها خوفًا من أن أكرر الجرعة.
خرج الابن الأكبر من الغرفة، وقلبه مثقل.
جمع إخوته في الصالة، وصوته لم يكن غاضبًا… بل موجوعًا:
— لماذا لم ينتبه أحد لأبي؟
لماذا لم يراقبه أحد في مواعيد علاجه؟
ساد الصمت.
ثم قال أحدهم: — نحن… اعتدنا أن نراه ملتزمًا.
لم ينسَ يومًا.
وأضاف الآخر: — لم نكن نتوقع أن تصل الأمور إلى الشك… أو النسيان.
قال الابن الأكبر بصوت مكسور: — أبي لم يُهمل… كان يتعب بصمت.
وكان يخجل أن يقول لنا: ”أنا أنسى“.
في تلك اللحظة، خرج الحاج أحمد من غرفته.
كان قد سمع بعض الكلام.
قال بهدوء: — لا تعاتبوا بعضكم… أنا لم أخبركم. كنت أظن أن الأمر بسيط.
اقترب منه ابنه الأكبر، وقال: — يا أبي… نحن لا نريدك قويًا دائمًا.
نريدك معنا.
لم يستطع الحاج أحمد حبس دموعه:
— كنت أخاف… أخاف أن أقول: ”نسيت“ …
فأشعر أنني كبرت فجأة.
فقال أحد أبنائه: — لا يا أبي… أنت لم تكبر… أنت فقط تحتاج من يذكّرك…
كما كنت تذكّرنا ونحن صغار.
مسح الابن الأكبر دموع والده وقال: — لا بأس يا أبي…
أنت تحتاج إلى مُذكِّر.
— مُذكِّر؟
— نعم…
شخص…
أو نظام…
أو طريقة.
لكن لن تكون وحدك بعد اليوم.
ابتسم الحاج أحمد.
ولأول مرة منذ أسابيع…
شعر بالطمأنينة.
وقال في نفسه:
”لم يخذلني جسدي… بل كان يطلب العون.“
















